First Published: 2016-09-19

في ذكرى الباذنجان الأبيض

 

صار العراق أرضا خرابا. فلا شيء مما يأكله العراقيون هو من حصاد أيديهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

كان العراق بلدا زراعيا. وكانت تلك واحدة من أعظم مشكلات الحزب الشيوعي حين تأسس في ثلاثينات القرن الماضي.

كيف تأتى لفهد (يوسف سلمان يوسف) وهو مؤسس الحزب الشيوعي العراقي أن يحول الناصرية (جنوب العراق) وهي التي تعيش على الزراعة وصيد الأسماك إلى منارة للشيوعية في العراق؟

"إذا أمطرت السماء في موسكو فتح أهالي الناصرية مظلاتهم".

لم تكن هناك مصانع لذلك لم يكن هناك عمال. ما الذي نفعله بشعار "يا عمال العالم اتحدوا" سيكون ذلك الشعار مؤجلا إلى أن تنشأ طبقة متماسكة يليق بها أن تسمى طبقة عاملة.

العراقيون كانوا يزرعون غذاءهم ولم يكن العراق يستورد طعاما.

حتى بعد أن قامت نهضة صناعية كان العراق يمتلك أكبر شبكة للري في المنطقة وأكثرها حداثة. لقد أنفقت الدولة زمن البعث بالتحديد مليارات الدولارات من أجل انشاء تلك الشبكة.

لم يكن أحد يتخيل أن الزراعة في العراق ستكون هدفا للتدمير.

صحيح أن رجال الدين (المرجعيات) عملوا على إفشال قانون الإصلاح الزراعي نهاية الخمسينات، غير أن ذلك القانون نجا بطريقة أو بأخرى من مكائدهم.

في سبعينات القرن الماضي كان الفلاحون يعيشون في بحبوحة وكان العراقيون يتمتعون بغذاء صحي، نضر وطازج هو نتاج أرضهم.

بل أن فئات من العراقيين صارت تهتم بزراعة جزء من غذائها في حدائقها المنزلية. فأرض العراق خصبة ولا تحتاج إلا إلى من يرعاها بعاطفته.

الآن انتهى ذلك الترف.

صار العراق أرضا خرابا. فلا شيء مما يأكله العراقيون هو من حصاد أيديهم. كما لو أن الله رفع يده عنها باتت أرض العراق جرداء، قاحلة لا زرع فيها.

لقد هدمت مشاريع الارواء كلها وما لم يُهدم بالقنابل امتدت إليه أيدي اللصوص وباعته إلى دول الجوار على هيأة خردة.

نسي العراقيون نعمة الاكتفاء الذاتي غذائيا وصار أمنهم الغذائي رهنا بمشيئة عصابات استيراد الغذاء بصفقاتها المشبوهة.

بلد الثلاثين مليون نخلة صار يستورد التمور من دول خصتها الطبيعة بالواحات. ومن المؤسف أن العراقيين صاروا يفاخرون بعضهم البعض بأنواع التمر التي يأكلونها، من جهة منشأها. فمَن يأكل التمر السعودي هو أعلى مرتبة ممَن يأكل التمر الجزائري.

أين ذهب مزارعو العراق الذين كانوا يشكلون نسبة ثلث سكانه؟

لقد توزعوا بين الأحزاب والقبائل والطوائف ليتبادلوا في ما بينهم أخبار المسيرات الجنائزية التي صارت المشاركة فيها التجسيد الوحيد للحرية في بلد لم تعد الدولة فيه معنية سوى في التستر على فسادها من خلال تسويات مريبة تتم بين رعاة ذلك الفساد.

فقد العراقيون أمنهم الغذائي، بل صار ذلك الأمن نهبا لشركات وهمية، عابرة للقارات تعمل من غير وازع أخلاقي في ظل غياب تام للرقابة الحكومية. وهو ما يلقي بظلال قاتمة من الشك على سلامة وجودة الغذاء الذي صار العراقيون يتناولونه وسط تهديد مؤكد بتزايد عدد الأمراض الغامضة التي يؤكد المختصون أن الغذاء هو مصدرها الوحيد.

غير مرة تواطأت جهات حكومية في التستر على فضائح تتعلق بأغذية منتهية الصلاحية، تم اللعب بتواريخ انتاجها ومدة صلاحيتها، وهو ما يشير إلى أن تلك الجهات متورطة هي الأخرى في صفقات الفساد.

غير أن الأدهى من ذلك يكمن في أن ليس هناك من أمل في أن يستعيد العراق جزءا مما كان عليه على المستوى الزراعي. فما اجتهد العراقيون، عبر الاف السنين، في تكوينه من خبرات في التعامل مع الأرض تم تدميره خلال سنوات قليلة.

العراق اليوم عاجز تماما على المستوى البشري والمادي عن استعادة مكانته، بلدا زراعيا بعد ان كانت أرضه عبر الاف السنوات مسكونة بالخصب والعطاء.

في ثمانينات القرن الماضي كان العراقيون يضحكون وهم يلمسون الباذنجان الأبيض، ذلك الزائر الجديد القادم من مصر ليكون ثمرة لقاء عاطفي بين أرضهم والفلاح المصري.

اليوم لا يملك العراقيون وقتا للضحك وهم يرون عجائب المخلوقات قادمة من كل أنحاء الأرض لتسخر منهم.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الحل في مصر أيها القطريون
2017-06-24
المتغير السعودي واستحقاقات العصر
2017-06-22
جنرالات بعمائم في إيران
2017-06-21
الحفلة الإيرانية قادمة
2017-06-20
الحل هو القضاء على الإرهاب لا إعادة تعريفه
2017-06-19
كذبة الممانعة وسياسة التناقضات
2017-06-18
إيران بلد الخرافات
2017-06-17
حين ينتقم العراقيون من أنفسهم
2017-06-15
هل تنتهي الحرب في سوريا بغياب قطر؟
2017-06-14
لغز العلاقة بين قطر وإيران
2017-06-13
المزيد

 
>>