First Published: 2016-09-22

هل الحياة ممكنة في العراق؟

 

العراقيون هم سادة الرثاء الذي يصنع من الخواء أريكة للمستقبل.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لا يُذكر العراق إلا حين يتعلق الأمر بالعنف والفوضى والإرهاب والفساد والقتل والخطف والانتقام والجهل وضياع قيمة الإنسان.

هو المنطقة الأشد خطرا في العالم. هو البلد الأكثر فسادا في العالم. هو المكان الذي لا يضمن أهله عودتهم أحياء إلى بيوتهم إن غادروها. هو الدولة التي لا يعرف مواطنوها المجازيون من هي الجهة التي تديرها. هو المدرسة التي أقفلت أبوابها وصار معلموها يعملون بالقطعة لدى طلابها.

البلد الذي كان جراحوه يذهبون إلى بريطانيا ليدخلوا مباشرة إلى صالات العمليات بثقة وخبرة وجرأة صار مرضاه يتوزعون بين الهند وتركيا والأردن.

البلد الذي قاتل امبراطورية الخميني ثمانية سنوات ولم تهن عزيمته صار جيشه عبارة عن مجموعات من الأشباح الفضائية التي استبدلت بزاتها العسكرية بالأزياء الفلكلورية وصارت تضع خدماتها القتالية في خدمة العشائر التي يقاتل بعضها البعض الآخر.

البلد الذي استنار في السنوات الأولى من سبعينات القرن العشرين مودعا آخر أمي فيه هو اليوم مرتعا للجهل والأمية، بحيث عادت الخرافة لتتمكن من أهله الفقراء فصاروا يتعبدون أمام جرار زراعي علقت عليه الرايات الحسينية. لا فرق بين الحديد البارد وحجارة القبور الحزينة.

البلد الذي قفز إلى الحداثة بطريقة محيرة أدهشت الباحثين. فلا أب للسياب في الشعر. لا أب لجواد سليم في الرسم والنحت. لا أب لرفعت الجادرجي في العمارة. لا أب لناظم الغزالي في الغناء. لا اب لنوري السعيد في السياسة. لا اب لصدام حسين في التمرد على الميزان الدولي. لا أب لجواد علي في دراسته لتاريخ العرب قبل الإسلام. ذلك البلد هو اليوم في أشد حالاته فقرا في عالم الثقافة. لقد اسودت الدنيا في أعين مثقفيه، فضاقت خياراتهم ولم يعد امامهم سوى أن يمارسوا فن الرثاء. وهو فن جاهز عراقيا.

العراقيون هم سادة الرثاء الذي يصنع من الخواء أريكة للمستقبل.

لقد ضاقت سبل الخيال إلى الدرجة التي صار فيها الغناء العراقي غجريا. وصار الردح مقابلا للطم في ثنائية تضع الملهاة على كفة والمأساة على الكفة الأخرى من ميزان تراث، صار يحكم العراق بمزاجه السياسي.

العراق اليوم لا يعد بشيء حسن.

فالعراقيون وقد حكموا أنفسهم بأنفسهم، وهو ما يدعيه شيعة الحكم وسنته لم يبرهنوا للعالم أنهم أهل للمسؤولية. لا شيء مما فعلوه طوال السنوات الماضية من حكم حزب الدعوة يؤكد أنهم جادون في العودة إلى التعليم خيارا لبناء حياة جديدة.

لا شيء يؤكد أنهم جادون في إعادة الاعتبار إلى شخصية المعلم الذي أهدرت كرامته، بعد أن كان رمزا لعلو واستقامة ونزاهة الشخصية.

ما بلغه العراقيون من الرثاثة والوضاعة وهم ينحرون التعليم على مذبح الطائفية لم يبلغه أي شعب آخر. فهل يعقل أن يكون الخميني رمزا لمَن قاتل آباؤهم من أجل التصدي لأطماع ذلك الرجل القادم من عالم الخرافة؟

العراق الذي وهب الأمم المتحدة عصمت كتانة صار صريعا بين تمتمات إبراهيم الجعفري، الرجل المسن الذي لم يمارس في حياته سوى وظيفة واحدة. كان قارئا في مجالس العزاء النسوية.

لا أظن أن العراقيين سعداء في ما انتهوا إليه.

صحيح أنهم لم يكونوا على مدى التاريخ محظوظين. فبالرغم من أن الطبيعة كانت كريمة وسخية معهم، غير أنهم أهدروا الكثير من كرمهم وسخائهم في الأماكن الخطأ، ولم يبادلوا الطبيعة سخاءها وكرمها.

كانت الحياة دائما ممكنة في العراق. حياة الجميع كانت ممكنة وميسرة، بل ويمكن أن تكون مترفة. فما الذي جعل تلك الحياة تضيق إلى الدرجة التي تدفع الشيوعيين العراقيين إلى الخروج في مظاهرات نهاية خمسينات القرن الماضي للهتاف "ما كو مؤامرة تصير والحبال موجودة" بمعنى أنه لا يمكن أن تقع مؤامرة على الثورة ما دامت حبال المشانق والسحل موجودة.

ألم يخن العراقيون قدرهم الطبيعي حين صنعوا تاريخا يعادي الطبيعة؟

الحياة اليوم لم تعد ممكنة في العراق. لا لأن العراقيين يرغبون في ذلك. بل لأنهم صاروا بسبب سنوات عزلتهم وقطيعتهم مع العالم يعتقدون أن العيش المؤقت لا يستحق كثير عناء من أجل أن يتحول إلى حياة.

لا يُحسد العراقيون على لحظة اليأس المطلق التي وصلوا إليها.

فالعراق الذي حلموا به كان في الوقت نفسه بين أيديهم من غير أن يشعروا بنعمة هوائه. كان هناك عراق فقدوه إلى الأبد. كان ذلك هو العراق الجميل الذي ظنوا أنه لا يحتاج لرعايتهم لكي يبقى.

ولأنهم لم يتخيلوا أنه سيختفي يوما ما فقد مضوا سادرين في غيهم إلى أن حانت لحظة الحقيقة. لقد اكتشفوا في لحظة عياء أن العراق مثلهم كائن يمكن أن يموت في أية لحظة.

 

فاروق يوسف

الاسم هانئ السعدي
الدولة العراق

ما آل العراق اليه هو سياسة امريكا وتدخلاتها واقامة حكومة غير منتخبة من قبل الشعب العراقي وفاسدة جدا وسرقة اموال الشعب العراقي ودعم الارهاب في قتل العراقيين بطرق كثيرة // لكن الله العظيم اعطى الى العرب العراقيين الأندماج التووي من النوع البارد وهو كفيل بمنع امريكا من التدخل ف...

2016-09-22

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الاكراد يغلقون باب العراق الموحد
2017-08-17
دولة فاسدة في العراق، ما أخبار المجتمع؟
2017-08-16
هناك شعب يصفق من أجل أن يحيا
2017-08-15
لن تقوم دولة الأكراد إلا بعد انهيار العراق
2017-08-14
الوحش الذي ابتلع لبنان
2017-08-13
ما بعد الصدر ما قبل السعودية
2017-08-12
ارهابيون ديمقراطيون على شاشة الجزيرة
2017-08-10
بريطاني نعم عراقي لا
2017-08-09
حزب الله من المقاومة إلى المقاولات
2017-08-08
سياسة إيران الرثة وسباق التسلح
2017-08-07
المزيد

 
>>