First Published: 2016-09-25

هوان المثقفين العرب

 

ضحك المثقفون العرب على انفسهم عندما صدقوا اوهامهم وأكاذيبهم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

ما تعرضت له المجتمعات العربية من وحشية وقسوة وهمجية وسلوك بدائي لم يتعرض له مجتمع في عالمنا المعاصر.

لا تنفع مقارنة الأحوال في العالم العربي بما شهدته أوروبا في القرون الوسطى. هناك نوع من الاحتيال المنظم في المقاربة.

نحن الآن في القرن الحادي والعشرين.

حتى المنظمات الإرهابية بكل تخلفها الفكري وانحطاطها على مستوى القيم الإنسانية صارت تستعمل آخر ما أُنتج من تقنيات الاتصال والدعاية.

اما المثقفون العرب، الجزء الأعظم منهم، لا يزالون يبشرون بمرحلة تحول، تكون فيها أنهار الدم ضرورية.

المثقفون العرب صاروا هلاميين اليوم أكثر مما كانوا عليه في أي وقت مضى.

تحمس الكثير منهم للربيع العربي وحين تبين لهم أن ذلك الربيع قد فتح أمام الناس الأبرياء باب التهلكة وسلم أوطانا للضياع وأفرغ دولا من مضمونها السياسي قرروا العودة إلى قواعدهم.

ربما يفكر البعض بالأبراج العاجية التي كان يخيل للكثيرين أن المثقفين يحتمون بها. غير أن الامر في العالم العربي مختلف تماما. فلا أبراج للمثقفين ولا عاج للثقافة.

لقد توزع المثقفون العرب بين نوادي الكلام المرسل، من غير أن يهتدوا إلى الكلمة التي يجب أن يقولوها في هذه المرحلة العصيبة.

وإذا ما كان الشاعر العربي الكبير أدونيس وهو سوري الأصل قد قال كلمته الفصل في شأن الثورة السورية فإن أحدا من المثقفين العرب لم ينصت بإيجابية إلى تلك الكلمة.

كان من المخجل أن يصنف شاعر حداثوي ومفكر متمرد ومجدد بمستوى أدونيس طائفيا. ولكن ذلك هو ما جرى على مستوى الواقع. لقد خان المثقفون العرب أدونيس بفكره الكوني ليحصروه في علويته.

وبرغم الهجمة الوحشية التي تعرض لها، فإن الرجل ظل صامدا لا في موقفه من الثورة السورية حسب بل وأيضا من الربيع العربي.

ما صمت عنه المثقفون العرب ظل أدونيس حريصا على تناوله في كل مناسبة، يجد أن الحديث عن واقعنا فيها مناسبا.

الشاعر السوري المقيم في باريس منذ زمن طويل يعرف وزنه تماما. اما المثقفون العرب الذي كالوا له الاتهامات الباطلة فإنهم يقيمون اليوم في منطقة تقع خارج الجاذبية الأرضية.

البعض من مثقفي العراق مثلا صار يعلن براءته من الحديث في السياسة بعد أن كان قد ملأ الأرض ضجيجا وهو يبشر بالتحول العظيم الذي سيعيشه العراق بعد الغزو الأميركي.

لم يقل أحد منهم "لقد أخطأت في تقديراتي ووجب علي الاعتذار".

لا يتعامل الكثيرون منهم بطريقة مهنية جادة مع عالم الانترنت، حيث لا مجال لإخفاء المعلومات. لذلك فإنهم يعمدون إلى الصمت في محاولة منهم لدفن ماضيهم الذي غلبت عليه الحماسات الصبيانية، غير المسؤولة ومن ثم يتبعونه بكلام رومانسي عن عدم اهتمامهم بالسياسة.

فجأة صار معظم مثقفي العراق غير مهتم بالسياسة. وهو سلوك مخاتل ومراوغ يُراد من خلاله محو آثار ما فعلوه في الماضي. غير أنهم يرتكبون خطأ أعمى هذه المرة أيضا. فالسياسة هي التي أضاعت وطنهم. السياسة هي التي جعلتهم يقفون في انتظار قطار لن يصل.

ما يقولونه عن صلتهم التي انقطعت بالسياسة لن يكون إلا هراء.

ما فرضه الواقع من حقائق هو أقوى من أن يتمكنوا من إنكار صلتهم بها. كانت حماستهم للغزو الأميركي لا غبار عليها. وكانت رغبتهم في تدمير الدولة العراقية مؤكدة. بل أنهم لم يعترضوا على القرار الأميركي في أن يقوم الحكم في العراق على أساس نظام المحاصصة الطائفية والعرقية.

الأدهى من كل ذلك أنهم لعبوا بالمجان غالبا دورا إعلاميا مدافعا عن الخراب. وهو ما وسع من دروب المتاهة التي يعيشها العراقيون. ألا يمكن أن يعد ذلك الدور فعل تضليل؟

يحق للبسطاء من الناس أن يقولوا "لقد ضحك مثقفونا علينا" ولكن المثقفين العرب في حقيقتهم كانوا قد ضحكوا على أنفسهم، حين ارتضوا كل الهوان.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
حماقات اردوغان
2017-03-16
المزيد

 
>>