First Published: 2016-09-28

العلمانية بعد داعش قدر وليست اختيارا في العراق

 

أخذوا الدين وحولوه إلى مسرح يقف على خشبته امثال العريفي ومقتدى الصدر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

أفضل طريقة للتفكير هي ارتكاب أخطاء، وأثناء تلك الحرية من الأخطاء الفادحة يعثر المرء على أفكار حقيقية وصالحة. إن عادات التفكير وقوالبه في ثقافة تقليدية وتفتقر الى الحرية الشخصية والسياسية هي اكبر خطأ يرتكبه كاتب. لأن عادات التفكير تجبرك على الوقوع في النمط الذي هو الفقر والعجز عن ابتكار فكرة.

إن الكتابة العراقية بالذات لو نظرت اليها لرأيت أنها ابداع جمالي وليس فكريا. بمعنى انها كتابة أدبية وجمالية فقط. يصعب علينا انتاج فكرة، وهذا يعكس مدى الاضطهاد الذي عاشه شعبي على مر العصور. لهذا فإن الفكرة لا تظهر من الانسان المستقيم السوي، بل تظهر دائما بوصفها حالة انحراف وخطأ. كخلل في العقل أو في نمط الحياة.

إن ثقافة لا تتقبل الانحراف والجنون والاختلاف اجتماعيا، هي بكل تأكيد لا تتقبل التفكير، ولهذا فإن الجهد في انتاج وجهة نظر يكون عادة مضاعفا. فبالإضافة للجهد المعرفي هناك جهد أخلاقي، لأنك تتعرض ولا شك للمحاكمة والاتهام.

في النهاية أنت تتعامل مع ثقافة تصف المختلف على أنه "نجس"، أي أنك تخاطب محفلا من محافل القرون الوسطى، وهذا الأمر مخيف حقا لو فكرت به على النحو الذي هو عليه في الواقع.

اذا كان لفتى مات مقتولا عمره 36 سنة مثل ابن المقفع أن يترك كل ذلك الأثر الثقافي، وإذا كان لفتى آخر عمره 36 سنة مثل تيودور هيرتزل أن يكتب "الدولة اليهودية" ويكشف عن مشروع متكامل لحلم بناء اسرائيل ويموت بعمر 40 سنة، أي قبل 40 سنة من قيام اسرائيل، متنبئا بأنه سيموت قبل أن يرى حلمه يتحقق يقول "لقد ظل اليهود يحلمون هذا الحلم الملكي خلال الليالي الطويلة من تاريخهم "العام القادم في القدس" إنها عبارتنا القديمة، المشكلة الآن أن يتحول هذا الحلم الى واقع حيّ".

اذا كان هؤلاء يحققون كل ذلك بعمر مبكر فإنك ستعرف بأن هذا الكهل الذي عمره 60 سنة، ويجلس يستمع كالطفل للشيخ العريفي أو مقتدى الصدر هو في الحقيقة لم يبلغ النضج الذي يبدو على هيئته.

إن مشكلة العبيد في أميركا كما كتبها مبدعوهم، أنه يصل الى السبعين ويبقى ينادونه يا "ولد" تعال امسح الطاولة، يبقى ولدا حتى الموت. المشكلة في عبوديتنا أنها طوعية، عبودية ثقافية وليست رقيقا ولا عنصرية. إنها تخلي الانسان طوعيا عن عقله وكرامته.

لا يمكن أن نلقي بالمسؤولية على هؤلاء المشايخ المتطرفين فقط. فما هو المحمول الثقافي الذي ينقلونه حقاً، ما الذي يجعل منهم مؤثرين؟ أعتقد بأن الجهل وحده كفيل بتحويلهم الى علماء وورثة أنبياء ولحومهم مسمومة. لا يوجد سبب آخر، وهذا في النهاية مسؤولية الدولة ومؤسسات التعليم.

إن داعش هزتنا في الصميم رغم انحطاطها الفكري. الذي هزنا حقا هو قدرة هؤلاء الناس على التمرد، ولا نستطيع مواجهة هذا المقدار من التمرد والاختيار الا بحرية فكرية ونضج عقلي، نحتاج نهضة في الفنون والفلسفة ونحتاج الى المرأة لتكون معنا، لا بد من تحرير المرأة.

لا يمكننا هزيمة شيء كهذا الا بالأنوار والفكر العلماني. إنه دين مختلف هذا الذي يعتنقونه غير ديننا القائم على الخوف والقنانة والتقليد. هناك فضيحة كبيرة ولا شك، الا أننا لا نستطيع اخباركم بها الآن. إن إيماننا الأليف يجد صعوبة كبيرة اليوم في العودة بعد هذا الإيمان "المتوحش" في العراق.

الشيء الوحيد الممكن هو العلمانية. الحرية ووثبة الروح نحو العقل المطلق. الانتحاريون لم يفجروا شيئا كما فجروا عقولنا. لقد فخخوا أنفسهم وفجروا الجنة. كيف يمكن لعقلك الديني هزيمة داعش، وهم نشيد مدمر طالع على الشفق لا مثيل له في العصر الحديث.

هؤلاء أخذوا الدين وحولوه الى مسرح مرئي ومسموع، الى فعالية انسانية واقعية كما يقول ماركس في نقده لفيورباخ. تحتاج أدوات من خارج الدين للانتصار عليهم. ان هزيمتهم في العراق مرتبطة بهزيمة الفكر الديني التقليدي كله.

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
المزيد

 
>>