First Published: 2016-09-29

فنانو مصر في العراق

 

لا إشكال في أن يزور الفنانون بغداد. الإشكال ان تتحول زيارتهم، عن قصد او عن سذاجة، إلى دعاية مذهبية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

مؤكد أن وجود فنان أو فنانة من مصر في أي بلد عربي، يسعدنا جميعا لأنه يمثل إضافة نوعية، حتى لو كان هذا البلد على غير وفاق سياسي مع توجهات الدولة، فلا تزال هناك قيمة كبيرة للقوة الناعمة، يمكن أن تساهم في زيادة الرصيد المعنوي، أو تقلل من محاولات الاستهداف السياسي.

الضجة التي أثيرت حول قيام عدد من الفنانين بزيارة العراق أخيرا، وحضور ختام مهرجان الغدير للإعلام بالنجف الأشرف الأحد الماضي، تسببت في لغط كبير، حيث اعتبر كثيرون الزيارة ليس لها علاقة بالفن، وتنطوي على دلالات مذهبية معينة، ربما تكبد الدولة المصرية تكاليف سياسية باهظة، فالتفسير المذهبي حمل إشارات مبطنة بشأن عدم استبعاد وجود تشجيع رسمي لهذا النوع من الزيارات.

في ظل الحمّى التي تجتاح المنطقة، وتصاعد حدة الانقسامات الطائفية، من السهولة أن ترمز كل شاردة وواردة في هذا المضمار، تفسيرا مذهبيا، لأن البراءة ليست لها اعتبار في كثير من القواميس العربية الآن.

لذلك من الطبيعي أن تحمل زيارات عدد من الفنانين (والفنانات) المصريين للعراق معاني سياسية، خاصة أنها تكررت خلال العامين الماضيين، واختصت مزارات شيعية شهيرة، وتقليد بعض العادات المعروفة عند أصحاب هذا المذهب، وبدت الجهة الداعية منه (المذهب) أو محسوبة عليه.

من الطبيعي إذن أن تساور البعض شكوك وهواجس، ويوجه آخرون اتهامات وانتقادات لكل من ذهبوا إلى بغداد ومدن شيعية معروفة في العراق، ومهما دافع من زاروا ومن قلدوا، ومن بكوا على الأطلال، فالصور التي تم تداولها توحي بأن ثمة مكونات سياسية في الموضوع، حتى لو كانوا من ظهروا في صدارتها أو على هوامشها، ليس لهم علم بمرام خفية.

السياق العام، فرض طقوسه وأرخى بظلال سلبية على هذه الزيارات، فمن دعوا ومن استقبلوا ورحبوا، نجحوا في توظيفها، وربما استغلوا جهل وسذاجة وعدم دراية البعض بما يدور في المنطقة من تربيطات وتحالفات على أسس مذهبية. فقد ألمحت صور التقطت هناك، أن المجتمع المصري يميل إلى الطقوس الشيعية ومن ثم المذهب وأتباعه، لأن من ذهبوا، جرى التعامل معهم على أنهم كريمة أو نخبة من مصر، تمثل شريحتها الرئيسية في القوة الناعمة، ولم يلفتوا أو تعمدوا ألا يلتفتوا إلى أن منهم من غابت عنه الشمس تماما.

بالتالي فالمسألة تتجاوز حدود الزيارات العادية (الكرنفالية) طالما أخذت منحى سياسيا، بشكل مباشر أو حتى على استحياء، ففي النهاية توجد مسئولية أخلاقية واجتماعية تقع على عاتق كل فنان (وفنانة) لأنه عندما قبل بالعمل العام، لا بد أن يكون مدركا بعدم تمثيله لنفسه فقط، فما بالنا، إذا أصبح نجما أو واجهة أو رمزا لبلد، هنا تكون المسئولية أفدح؟

هذا الأمر يتطلب قدرا كبيرا من التدقيق والحذر والتريث، والدراية بما هو يتخطى الحدود الظاهرة، لأن لي أعناق بعض الأحداث، والدلالات الكبيرة التي يمكن أن تحملها، قد تجعل منها قضايا كبيرة لها تأثيرات سياسية، حالية ومستقبلية، وتتنامى عندما يتسع نطاق التصيد والتوجيه.

لا أدري هل الأجهزة الأمنية على اطلاع بهذه الزيارات وأبعادها وتبعاتها، أم تم التعامل معها على أنها رحلة أو نزهة عادية؟ ولا أعلم هل حصل هؤلاء على موافقات أمنية وسياسية، مباشرة أو ضمنية، أم لم ينتبه إليهم أحد وسط الصخب والزحام؟

وفقا لمعرفتنا بالأداء العام الصارم، أعتقد أن الزيارات لم تكن غائبة عن أعين الأجهزة الأمنية، وغير مستبعد وضعها تحت المجهر، عن قرب أو عن بعد، وهنا أتذكر واقعة حكاها لي صديق ذهب إلى إيران منذ خمسة أعوام، وطلب منه مسؤول كبير في طهران أن يقوم بتوصيل رسالة مباشرة إلى محمد بديع مرشد الإخوان المسلمين، فرفض زميلنا وأصر على التعامل بشكل صحفي (النشر) مع أي حديث يقوله، وعندما سئل عن سبب الرفض، قال له أنه صحفي في المقام الأول، وثانيا يخشى أن يكون هو نفسه (أي المسؤول الإيراني الكبير) يعمل لحساب أحد الأجهزة الأمنية في مصر ويوقعه في الفخ.

من الناحية السياسية، نحن أمام احتمالين، يفسر أحدهما أو كلاهما، أسباب تكرار هذه الزيارات والسكوت عليها، مع أن إفرازاتها لم تعد خافية، ليس فقط على مستوى الفنانين في هذا التوقيت، الذي أصبحت فيه أشياء عادية تحمل أغراضا سياسية أكثر مما نتوقع.

الأول، التعامل معها بحسبانها رحلات خالية من المضامين السياسية، وهو ما يعني استهانة بالغة، وجهلا بما يدور في العراق من تشابكات وتعقيدات لها روافد تمتد إلى خارجه. فالعواطف لا تصلح ركيزة في القضايا السياسية الحرجة، حيث زعم البعض أنهم ذهبوا تضامنا مع الشعب العراقي في مواجهة تنظيم داعش الإرهابي.

الاحتمال الثاني، الوعي بجميع التفاصيل والارتدادات السياسية، لتوصيل رسائل مختلفة، بعضها يتعلق بالعلاقة مع الشيعة كمذهب، يحترمه المصريون، والبعض الآخر على صلة بالطبقة الحاكمة في العراق، وغالبيتها شيعية، وربما إيران، بغرض توصيل رسالة سياسية غير مباشرة، انطلاقا من وجود ممانعات في الوقت الراهن، تفرض اللجوء إلى الغزل العفيف بدلا من الصريح.

 

محمد أبو الفضل

الاسم برنايو بريونا
الدولة المملكة المتحدة

محاولات اختراق مصر من ا

2016-09-29

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
السعودية الجديدة
2017-11-12
البعد الغائب لحل الأزمة الليبية
2017-11-02
في معنى ترميم الدولة العراقية
2017-10-26
الرسالة الخاطئة للإرهابيين
2017-10-19
أخطر من الدفاع عن مصر
2017-10-12
نمر فلسطين أم نمور إسرائيل؟
2017-10-05
مصير الأكراد وجنوب السودان
2017-09-28
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
المزيد

 
>>