First Published: 2016-09-30

شمعون بيريس... الرجل الثاني وبائع الاحلام

 

فشل بيريز في كل مرة كان فيها صاحب القرار.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

نظريا، كان شمعون بيريس، الذي كان رئيسا لإسرائيل ورئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع، إضافة الى شغله مواقع أخرى منذ اعلان دولة إسرائيل في العام 1948 مؤيدا للسلام. وثمّة من يقول انّه عمل من اجله. عمليا، كان بيريس صاحب كلام جميل عن السلام مع الفلسطينيين والتعاون الاقليمي يصبّ في التغطية على الاحتلال وتغليفه بثوب لائق. كان مجرّد بائع أحلام ورجل علاقات عامة يسوّق الاحتلال في العواصم الغربية.

توفى بيريس الذي بنى مجده على انّه كان مديرا لمكتب ديفيد بن غوريون، اوّل رئيس للوزراء في إسرائيل، عن ثلاثة وتسعين عاما امضى معظمها في واجهة الاحداث في الشرق الاوسط. على الرغم من ذلك كلّه، لم يستطع في يوم من الايّام الاقدام على خطوة حقيقية في اتجاه السلام. هل كانت تنقصه الجرأة على ذلك، ام كان في حقيقة الامر رجلا مترددا، وثمة من يقول مراوغا، لا اكثر؟

كان مترددا ومراوغا في الوقت ذاته. ظهر ذلك بوضوح عندما فشل في كلّ مرة كان فيها زعيما لحزب العمل في تحقيق انتصار حاسم. تعادل في احدى المرات مع حزب ليكود اليميني وتوصل معه الى صيغة التناوب على رئاسة الوزراء. وتولى مرّة ثانية هذا الموقع بعد اغتيال اسحق رابين في تشرين الثاني ـ نوفمبر 1995 ممهدا لمجيء بنيامين نتانياهو الى رئاسة الوزراء اثر انتخابات ايّار ـ مايو 1996 وذلك بعد سقوطه في فخّ عملية "عناقيد الغضب" التي كانت حربا صغيرة على لبنان افضت الى "تفاهم نيسان" في مرحلة كان فيها الرئيس رفيق الحريري رئيسا لمجلس الوزراء.

بقي بيريس في كلّ وقت عاجزا عن اتخاذ قرارات كبيرة وحاسمة. على سبيل المثال وليس الحصر، اجل الانتخابات العامة في إسرائيل ستة اشهر بعد اغتيال رابين. لم يدرك انّ هذا التأجيل سيصبّ في مصلحة نتانياهو المتحالف ضمنا مع قوى "الممانعة" في المنطقة العربية وما هو ابعد من المنطقة العربية، أي مع ايران. عملت ايران وقتذاك مستخدمة ادواتها كلّها، خصوصا العمليات الانتحارية لـ"حماس" من اجل نسف عملية السلام التي انطلقت من أوسلو. صحيح ان بيريس لعب دورا في التوصل الى اتفاق أوسلو، في العام 1993، اذ كان وزيرا للخارجية في حكومة اسحق رابين، لكنّ الصحيح أيضا انه لم يعرف يوما كيف يساعد في حمايته عن طريق تشكيل جبهة عريضة تدعم عملية السلام... والإسراع في تحقيق إنجازات على الأرض.

انتهى اتفاق أوسلو مع اغتيال اسحق رابين. بدل ان يجري بيريس انتخابات عامة مباشرة بعد مقتل رئيس الوزراء الإسرائيلي، اخذ كلّ وقته بعدما اطمأن الى انه سيخلف رابين في رئاسة الحكومة. لم يستوعب انّ "الممانعة" ستبذل كلّ جهدها من اجل تأليب المجتمع الإسرائيلي على عملية أوسلو التي اعترض عليها منذ البداية شخص مثل بنيامين نتانياهو كان يعدّ نفسه لخلافة اسحق رابين. راح يتفرّج مكتوفا على تأثير العمليات الانتحارية على المجتمع الإسرائيلي الذي صار مناهضا كلّيا للسلام من دون ان يستطيع ان يفعل شيئا يذكر.

تبيّن مع مرور الوقت ان شمعون بيريس لا يصلح لان يكون قائدا او زعيما وذلك منذ بداية حياته السياسية. كان جيدا في موقع الرجل الثاني... لكنّه فشل في كلّ مرة كان فيها صاحب القرار. نجح في بناء البرنامج النووي الإسرائيلي في عهد بن غوريون وفي الحصول على الاسلحة المطلوبة من فرنسا في مرحلة ما قبل حرب 1967. كان منفذا جيدا، لكنّه لم يكن يوما سوى ذئب في ثوب حمل يتظاهر فقط في انّه يعمل من اجل السلام. كان يعمل من اجل السلام بالكلام فقط. امّا افعاله كلّها فكانت تصبّ في مصلحة تكريس الاحتلال للقدس وللجزء الأكبر من الضفّة الغربية وذلك تحت شعارات جميلة.

من يعود قليلا الى خلف، يتذكّر انّ معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979 كانت نتيجة اتفاق بين الرئيس الراحل أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحيم بيغن بعد الجهود التي بذلها الرئيس جيمي كارتر من اجل التوصل الى اتفاقي كامب ديفيد في أيلول ـ سبتمبر من العام 1978. حاول بيغن التملّص دائما من أي سلام يعيد الى مصر أراضيها وثرواتها. ذهب الى حدّ عمل كلّ ما يمكنه استفزاز السادات الى ابعد حدود لجعله يتراجع عن رغبته في السلام. لكنّه اتخذ قرارا نهائيا بالانسحاب من الأراضي المصرية المحتلّة عندما وجد ان معالم الصفقة واطرها واضحة كلّ الوضوح وانّ هناك إدارة أميركية مصمّمة، بكلّ ما لديها من نفوذ، على التوصل الى توقيع تلك المعاهدة بين إسرائيل واكبر دول عربية.

امّا اتفاق السلام بين الأردن وإسرائيل، فكان ممكنا في العام 1994 لانّ الملك حسين، رحمه الله، واسحق رابين كانا مصمّمين على بلوغ هذا الهدف. كان العاهل الأردني في غاية الذكاء عندما ادرك ان هناك فرصة لا تعوض في استعادة الأردن حقوقه في الأرض والمياه. في أساس الفرصة توقيع الفلسطينيين اتفاق أوسلو بمعزل عن الأردن من جهة ووجود اسحق رابين في موقع رئيس الوزراء من جهة أخرى. عرف الملك حسين دائما ان بيريس شخص لا يمكن التعاطي معه بشكل جدي وانّه يقول شيئا ويفعل شيئا آخر على العكس من رابين الذي كان عدوا يعرف من يتفاوض معه اين يقف الرجل.

يروي ديبلوماسيون غربيون يعرفون تل ابيب جيدا ان النكتة التي انتشرت في إسرائيل بعد هزيمة بيريس امام نتانياهو في العام 1996 ان زعيم حزب العمل خاض احدى العمليات الانتخابية وحيدا... لكنّه حل اثر اعلان النتيجة ثانيا!

لم يكن الذين تعاطوا مع شمعون بيريس يثقون به. الملك حسين كان يعتبره مراوغا. كان يضحك على ياسر عرفات وكان ياسر عرفات يضحك عليه. كان مرتاحا في كلّ وقت للنظام السوري الذي انشأه حافظ الأسد والذي يؤمن مثله بضرورة بقاء المنطقة في حال لا حرب ولا سلام. مثل هذه الحال تؤمن لإسرائيل، الى يومنا هذا، تكريس امر واقع على الأرض في القدس والضفة والجولان وتضمن للنظام السوري البقاء متحكما بمصير السوريين، حتى لو تطلب الامر الاستعانة بالميليشيات الايرانية ووحشية فلاديمير بوتين.

عندما ارتكب الجيش الاسرائيلي مجزرة قانا، في حرب 1996 التي تعرّض لها لبنان تحت تسمية "عناقيد الغضب"، ظهر بيريس على حقيقته. كان يريد الفوز في الانتخابات، بغض النظر عن عدد الضحايا البريئة التي تسقط في لبنان!

لم يكن شمعون بيريس رجل سلام في ايّ وقت على الرغم من نيله "جائزة نوبل للسلام" في 1994.

كان يؤمن بمصلحة إسرائيل التي يجدها في استمرار الاحتلال. قال في غير مؤتمر دولي ان الضفّة الغربية "ارض متنازع عليها". كان الوجه الآخر لبنيامين نتانياهو، مع فارق واحد يتمثّل في انّه لم يستطع يوما ممارسة اللعبة السياسية في الداخل الإسرائيلي وينجح فيها. كان يصلح في كلّ وقت لموقع الرجل الثاني لا اكثر ولا اقلّ. برع في هذا الموقع دائما، منذ ايّام بن غوريون، وفشل في كلّ مرّة كان في الموقع الاوّل.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
لم يكن امام الايرانيين سوى الرهان على فاشل
2017-05-22
قمم الرياض... والتصالح مع الواقع
2017-05-21
قمّة تمهّد لثلاث قمم...
2017-05-18
لا شيء يحدث بالصدفة منذ تسليم الجولان
2017-05-17
إضاعة الفرص.... هواية وطنية لبنانية
2017-05-15
لا فارق اذا رحل ترامب... او بقي
2017-05-14
الوحدة اليمنية ضرورية... ولكن!
2017-05-12
مذكرة استانا صيغة لتقسيم سوريا
2017-05-10
هذا ليس وقت المزاح في اليمن
2017-05-08
بعد نصف قرن... تفكيك جريمة كامل مروّة
2017-05-07
المزيد

 
>>