First Published: 2016-10-01

الشيوعية التي ظلمت أهلها

 

كان الشيوعيون أي شيء إلا أن يكونوا واقعيين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

يوما ما كان هناك شيوعيون في العالم العربي. كانت هناك أحزاب شيوعية في فلسطين ومصر والعراق ولبنان وسوريا.

لم يتعرض أحد لأساليب القهر والتعذيب والاضطهاد بسبب طريقته المختلفة في التفكير في العالم العربي مثل الشيوعيين.

لقد اتفقت الأنظمة على اختلاف مشاربها على نبذهم. بالرغم من أنهم لم يسعوا فعليا إلى الانقلاب على تلك الأنظمة.

كره الملكيون الشيوعية وكرهها الجمهوريون كما لو أنها كانت لعنة.

من جهتهم فإن الشيوعيين كانوا منظمين ولكن من أجل لاشيء. وهو أمر سيحير المؤرخين. في احيان كثيرة كادت السلطة قريبة أن تقع بين أيديهم، غير أن هناك شيئا غامضا كان يمنعهم من القبض عليها.

هم في حقيقة أمرهم أشبه بأفراد من قبيلة واحدة. طائفة واحدة. ينشقون وينقسمون ويذبح بعضهم البعض الآخر كما حدث في عدن، أيام اليمن الجنوبي، غير أنها في النهاية يرفضون مجتمعين الآخر المختلف في أفكاره معهم، بل أنهم الأكثر مهارة في تشويه صورة ذلك الآخر بطريقة لا أخلاقية، تكشف عن عجزهم عن قبول الاختلاف.

ماديون كما تقول فلسفتهم غير أنهم يسعون نظريا إلى عالم مثالي، تتقافز فيه الملائكة المتخيلة وهو ما يجعلهم أقرب إلى التنظيمات الحزبية الدينية، من جهة ثقتهم بفكرتهم المطلقة عن العدالة. وهي عدالة لا تمت بصلة إلى حرية المجتمع، بل هي محاولة لاستعباده من أجل إسعاده.

لذلك تقدموا إلى المشانق بيقين مَن يضحي بنفسه من أجل الحقيقة.

راهنوا كثيرا على أن يحدث التحول الذي يتمنون وقوعه من داخل النظام السياسي القائم ولم يتعلموا من التجارب التي مروا بها بسبب ذلك الرهان شيئا ولم يعتذروا عن سذاجة وعيهم السياسي وسطحيته.

يوما ما أطلق العراقيون منهم على صدام حسين لقب "كاسترو العراق" فذهبوا إلى المنافي مقتنعين بعطف ذلك الرفيق عليهم وكان صديقا للاتحاد السوفييتي السابق. اما زعيم السوريين منهم خالد بكداش فقد وضع حزبه تحت قدمي الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد.

حين يكون الحديث عن الديمقراطية فهم الجهة الديمقراطية الوحيدة. لا أحد في إمكانه أن يفهم ما علاقة الشيوعية القائمة على ديكتاتورية البروليتاريا بالديمقراطية.

ما من شيوعي يمكنه أن يخبرك أنه لا يزال شيوعيا. في هذا الزمن الذي لم يعد فيه مكان للأسرار، لا يزال الشيوعيون يصرون على كتمان انتمائهم السياسي، وهم في ذلك انما يعلون من شأن لعمل السياسي السري الذي يذكر بالجماعة الماسونية.

وقد يكون مفهوما هنا سبب احتكار الشيوعيين لتمثيل اليسار. ذلك لأنهم يعتبرون فكر كل جماعة أو حزب سياسي آخر ليس من اليسار في شيء ولا يصح ربطه بالتقدم.

اليساريون هم. التقدميون هم. الثوريون هم وكذلك هم الديمقراطيون.

لم يكن الشيوعيون العرب بشرا أسوياء.

لو كانوا كذلك لتساءلوا عن ثمن التضحيات العظيمة التي قدموها. ألا تسعى الشيوعية إلى تغيير العالم؟ بعد مئة سنة من الحلم الشيوعي ما الذي تغير في العالم العربي؟

لا أحد في إمكانه أن ينكر أن الشيوعيين العرب كانوا ضحايا الأنظمة القمعية المستبدة، ولكن لا أحد في المقابل يمكنه أن يثبت أن الشيوعيين الرسميين قاوموا تلك الأنظمة. لقد خرج عزيز الحاج ذات يوم على النسق الشيوعي المألوف في العراق فانشق وأسس القيادة المركزية التي قررت أن تحارب النظام البعثي في بداياته انطلاقا من الاهوار.

لقد تم التعامل حزبيا مع الحاج باعتباره منشقا وكانت نهاية مغامرته بالنسبة للشيوعيين الرسميين بمثابة درس لمَن يحاول الخروج على تعاليم الحزب. وهي تعاليم لا تدعو إلى الثورة ولا تحرض على التقدم ولا تعترف بالديمقراطية أساسا لبناء المجتمعات.

لم تفشل الشيوعية في العالم العربي، فهي لم تطبق أصلا.

لقد فشل الشيوعيون في أن يكونوا كائنات واقعية.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
مطبخ قطر الإسلامي
2017-05-27
تونس على الخط الأحمر
2017-05-25
لماذا إيران وليست إسرائيل؟
2017-05-23
إيران ومثلث الرعب
2017-05-22
إيران لن تتغير
2017-05-21
لمَن نشتري السلاح؟
2017-05-20
اللبنانيون كلهم في خطر
2017-05-18
ربيع الأنظمة الذي حطم الشعوب
2017-05-17
ما معنى أن يكون المرء بعثيا؟
2017-05-16
إيران في خريفها العراقي
2017-05-15
المزيد

 
>>