First Published: 2016-10-02

مناظرة كلينتون وترامب: الخداع كالواقع

 

لا تلعب وسائل الإعلام الأميركية مع خيار الناخبين، بقدر ما تصنع قصتها التي تجني منها الأموال، لذلك تبدو أكثر من سعيدة ومحتفلة، وإن كان يبدو خيار الناخبين حزينا مع ترامب ولا يكون حلا مع كلينتون.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

مثلما يتطلب من الصحافي الاعتناء بلغته قبل أن يكون صحافيا، بات على المرشح للرئاسة الأميركية أن يكون كذلك أيضا، فالاعتناء باللغة أحد أهم الطرق الموصلة إلى البيت الأبيض، تضاف لها رباطة الجأش والثقة بالنفس واختيار توقيت المبادرة، وكلها صفات كلاسيكية يجب أن يمتلكها الصحافي، وبات على المرشح أن يضعها في أولويات حملته الانتخابية.

وتلك مهمة دأبت عليها وسائل الإعلام منذ أول مناظرة في ستينات القرن الماضي، وهذا ما اعترفت به هيلاري كلينتون في مناظرتها مع دونالد ترامب هذا الأسبوع بقولها إن الكلمات مهمة عند الترشح للرئاسة، ولن تكون بنفس أهميتها عندما يكون المرشح رئيسا.

كذلك ينصح خبراء الإعلام بمشاهدة المناظرة التلفزيونية بين المرشحين من دون صوت كأفضل طريقة للتركيز على ملامح المتناظرين لاكتشاف دلالة تعابير الوجه، إنها معادل جدير بالوفاء لدلالة الكلمات.

تقليد المناظرة التلفزيونية التي تسبق الانتخابات الرئاسية درج عليه الأميركيون منذ ستينات القرن الماضي، وتتسم المناظرة عادة بالعاطفية وتجمع وسائل الإعلام على أهميتها من دون تراجع، لذلك جعلت منها قصة دائمة، تعيد التذكير بها حتى من دون مناسبة، وليس من السهولة أن ينسى الأميركيون جملة رونالد ريغان وهو يسخر من صغر سن منافسه الديمقراطي آنذاك والتن ماندل، قائلا إنه لن يركز على كبر سنه ويستغل صغر سن منافسه وقلة خبرته!

المناظرة بين كلينتون وترامب التي كانت الأكثر مشاهدة في تاريخ الانتخابات الأميركية، تسمر لها نحو 84 مليون مشاهد على 13 قناة تلفزيونية، كما شاهدها الملايين عبر العالم، وصنعت منها وسائل الإعلام قصة متفرعة ومتشابكة ومتحركة، هي في حقيقة الأمر فعل صحافي بامتياز يدير لعبة سياسية عندما يبدو الخداع كالواقع.

لذلك لم تنته بعد تسعين دقيقة من الكلام أمام العدسات، لأنها بدأت لحظة انتهائها بالنسبة إلى وسائل الإعلام.

ربما انتهت بالنسبة إلى كلينتون وترامب، لذلك اعتبر كل واحد منهما أنه الفائز فيها، فكلينتون قالت لمؤيديها “هل يساوركم شعور جيد الليلة؟ بالنسبة إليّ نعم. قدمنا مناظرة رائعة”، أما ترامب فأعلن فوزه للصحافيين في موقع المناظرة، مع أنه اتهم في مقابلة مع قناة فوكس نيوز التلفزيونية، مدير المناظرة، لستر هولت، بالتشدد معه أكثر من هيلاري، ووصل الأمر حد انتقاد الميكروفون بقوله “أعطوني ميكروفونا معيبا، هل كان ذلك عن قصد؟”.

وفي استطلاع لوكالة رويترز، وجد أن نحو نصف الناخبين المحتملين في الولايات المتحدة يتطلعون للمناظرة لمساعدتهم في اختيار أحد المرشحين بصفة نهائية.

شبكة “سي إن إن” الإخبارية كانت قد أعدت لتداعيات المناظرة مسبقا بالتعاون مع مؤسسة أبحاث الرأي “أو آر سي” لإجراء استطلاع بين الناخبين الأميركيين الذين قالوا إن “كلينتون عبرت عن رأيها بوضوح أكثر من ترامب، وكان إدراكها للقضايا التي نُوقشت خلال المناظرة أفضل بفارق كبير”، بينما لم تجد هيئة التحرير في صحيفة نيويورك تايمز المناظرة مثيرة، وقالت “عندما يكون مرشح واحد فقط جادا، والثاني متسلطا فارغا، فإن المناظرة تفقد معناها”.

لكن هذا المعنى المفقود بالنسبة إلى أهم الصحف الأميركية، بدا في الجانب الآخر من الأرض كوميديا سوداء أكثر مما ينبغي عندما أعلن متحدث باسم حركة طالبان في أفغانستان، لقناة “أن بي سي” إن قادة الحركة تابعوا المناظرة، عسى أن تكون أفغانستان موضوعا من مواضيع النقاش بين المرشحين!

الصحف الشعبية صنعت قصتها “الرخيصة” أيضا من المناظرة، عندما أقحمت ملكة جمال الكون السابقة اليشا ماتشادو، شخصية ثالثة بين ترامب وكلينتون التي أوردتها المرشحة الديمقراطية مثالا على فظاظة منافسها الجمهوري في تعاطيه مع النساء.

قصة مغرية بالنسبة إلى مثل هذه الصحف أن تكشف كلينتون أن ترامب كان يطلق على هذه الحسناء الفنزويلية “اسم “خنزيرة” ثم “خادمة” لأنها من أصول أميركية لاتينية.

أما وكالة الصحافة الألمانية فاستعانت بكريستوف شفاب خبير مهارات التواصل، ليحلل ما جرى وفقا لمهارات المتناظرين، فاعتبر أن كلينتون عرضت نفسها بشكل أنثوي ومراع لشعور الآخرين ومتفهم أيضا، فيما كان منافسها ترامب عنيدا للغاية، من دون أن يستطيع زحزحتها عن توازنها.

وقال “إن ترامب خسر بصفة خاصة عندما صاح كطفل عنيد: لدي الأجواء الأفضل ولدي القوة على أن أصبح الفائز هنا”.

لا تلعب وسائل الإعلام الأميركية مع خيار الناخبين، بقدر ما تصنع قصتها التي تجني منها الأموال، لذلك تبدو أكثر من سعيدة ومحتفلة، وإن كان يبدو خيار الناخبين حزينا مع ترامب ولا يكون حلا مع كلينتون، فإن ريك تايلر، الذي عمل كبير مساعدي تيد كروز، قد تحسس الخطر المحدق بترامب إذا حرك بندول الساعة في الاتجاه الآخر، قبل المناظرة المقبلة في التاسع من أكتوبر.

غير أن الأمر لا يبدو كذلك لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو: كلينتون أم ترامب؟ لا يهم.. كلاهما سيدعمان إسرائيل!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إعادة تعريف الرقيب على وسائل الإعلام
2017-05-28
الضغائن تهدد وسائل الإعلام
2017-05-21
الرقص ناخب بلا صوت!
2017-05-16
المرشد الأعلى لفيسبوك
2017-05-14
لا أقراص مهدئة قبل المناظرة التلفزيونية
2017-05-07
غبطة الراديو
2017-05-02
فكرة متطرفة لإنقاذ الصحافة
2017-04-30
الرسائل الإعلامية ليست مواعظ دينية
2017-04-23
وزير سابق، رئيس تحرير حالي
2017-04-16
الصمت فن أصعب من الكلام
2017-04-11
المزيد

 
>>