First Published: 2016-10-02

بين إقرار 'جاستا'... والدعم الأميركي للارهاب

 

قانون 'جاستا' تجسيد حي لمدى الجهل الاميركي في شؤون الشرق الاوسط والخليج.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

من يدعم الارهاب ومن يرعاه فعلا؟ ذلك هو السؤال الحقيقي الذي لا مفرّ من طرحه عندما يسقط مجلسا الكونغرس الاميركي "فيتو" الرئيس باراك اوباما على على قانون "العدالة ضد رعاة الاعمال الإرهابية" المعروف بتسمية "جاستا". انّه قانون يستهدف المملكة العربية السعودية. وهذا يطرح سؤالا آخر، لماذا هذا الاستهداف للملكة في هذا الوقت بالذات؟

ليس سرّا ان خمسة عشر إرهابيا من اصل تسعة عشر نفذوا "غزوتي نيويورك وواشنطن" في الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر 2001 مواطنون سعوديون. ولكن ليس سرّا ايضا ان لا علاقة لأي من هؤلاء بمؤسسات الدولة في السعودية. كلّ ما امكن اثباته لدى الكشف عن الاوراق الـ28 التي لم تنشر من التحقيق في احداث الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر 2001 ان اثنين من الإرهابيين اجريا اتصالا بموظف في مستوى متدن يعمل في القنصلية السعودية في لوس انجلس. هل من امر اكثر من طبيعي ان يتصل مواطن سعودي بقنصلية بلده، او ان تقبل القنصلية مثل هذا الاتصال؟

في المقابل، لم يستطع التحقيق الشامل، الذي أجرته اللجنة المكلفة كشف خبايا ما حصل في المدينتين الاميركيتين في ذلك اليوم المشؤوم قبل خمسة عشر عاما، اثبات أي علاقة من قريب او بعيد للملكة العربية السعودية بـ"غزوتي نيويورك وواشنطن". ما الذي يدفع الكونغرس اذا، في هذه الايّام بالذات، الى الاصرار على ما وصفه محللون اميركيون بـ"شيطنة السعودية"؟

قبل كلّ شيء، اذا كان هناك من يتحمّل ظهور "القاعدة" واسامة بن لادن، فان الطرف الذي تقع عليه المسؤولية الكبرى هو الولايات المتحدة التي رعت بن لادن وشجّعت أنصاره، بموافقة سعودية، على الانتقال الى أفغانستان لمحاربة وضع اليد السوفياتية على ذلك البلد ابتداء من العام 1979. كان ذلك ايّام الحرب الباردة. صحيح ان المملكة العربية السعودية لعبت دورا في الحرب على الوجود السوفياتي في أفغانستان، لكنّ الصحيح أيضا ان ذلك كان بالتنسيق مع الولايات المتحدة ودفع منها. اخطر ما في الامر انّ الولايات المتحدة هي من شجّع، بالمشاركة مع باكستان، عملية سيطرة "طالبان" على الأراضي الأفغانية بهدف واضح كلّ الوضوح هو تأمين ممرّ آمن لانابيب النفط الذي مصدره جمهوريات إسلامية كانت في الماضي جزءا من الاتحاد السوفياتي.

لا يمكن، في ضوء الوقائع الثابتة، الفصل بين الولايات المتحدة و"القاعدة" التي وفّرت لها "طالبان" ملاذا آمنا. كذلك، لا يمكن تجاهل ان المملكة العربية السعودية استوعبت باكرا خطر "القاعدة" وحاولت الفصل بينها وبين "طالبان". لم تنجح في ذلك قبل سنوات من حلول يوم الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر 2001.

في حال كان على الكونغرس إيجاد قانون يضمن ملاحقة الطرف الذي يتحمّل المسؤولية الاولى عن "غزوتي نيويورك وواشنطن"، فانّ هذا الطرف هو الإدارات الاميركية المتعاقبة التي تلكأت في الدخول باكرا في الحرب على "القاعدة" التي يتبيّن اكثر كلّما مرّ يوم انّها مرتبطة، بطريقة او باخرى، بايران التي أصبحت بين ليلة وضحاها الطفل المدلّل لادارة أوباما.

ينمّ قانون "جاستا" عن مدى الجهل الاميركي في شؤون الشرق الاوسط والخليج. لو كانت الإدارة الحالية مهتمة فعلا بمنع تمرير هذا القانون في الكونغرس، لكانت شنّت، في وقت باكر، حملة منظمة تستهدف جعل أعضاء مجلسي النواب والشيوخ يستوعبون انّ الحملة على المملكة العربية السعودية سترتد على الولايات المتحدة التي تظلّ من اقدم الحلفاء في المنطق. اكثر من ذلك، ان الحملة على السعودية تعتبر حملة على دولة مسلمة، بل على الدولة المسلمة الاهمّ، التي تقف على رأس التحالف الدولي ضد "داعش". يضمّ هذا التحالف 67 دولة تأتي المملكة في مقدّمها.

كانت على إدارة أوباما واجبات كثيرة تؤديها، قبل لجوء الرئيس الاميركي الى "الفيتو" في مواجهة الكونغرس، وهو "فيتو" جاء بعد فوات الاوان. كان عليها ان تشرح لاعضاء مجلسي النوّاب والشيوخ، قبل حلول الموسم الانتخابي الذي يفتح الأبواب على كلّ نوع من المزايدات، لماذا لا توجد علاقة بين السعودية واحداث الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر وكيف ان المملكة لاحقت أسامة بن لادن منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ونزعت عنه الجنسية. على العكس من ذلك، كانت السعودية ضحية إرهاب "القاعدة". هناك عمليات مشتركة نفذّتها "القاعدة" بالتنسيق مع أدوات إيرانية استهدفت السعودية واميركيين في السعودية. تكفي العودة الى عملية الخبر في العام 1996 للتأكّد من ذلك.

يصعب تصوّر الى ايّ حدّ يمكن ان تهبط القيم المرتبطة بالسياسة في الولايات المتحدة. ولكن في بلد، يمكن ان يصبح فيه دونالد ترامب رئيسا، بات كلّ شيء واردا، بما في ذلك ان السياسة الاميركية في الشرق الاوسط صارت تعتمد الطريق الأقصر لتشجيع الإرهاب. من يدعم ايران في العراق ويعقد معها صفقات من نوع تلك التي جاءت بنوري المالكي الى موقع رئيس الوزراء وابقته فيه في العام 2010، لا يحقّ له الشكوى من "داعش". من يتغاضى عن"الحشد الشعبي" وممارسته في العراق، يدعم عمليا من يوفّر حاضنة لـ"داعش".

من يتغاضى ايضا عمّا يفعله الايراني والروسي في سوريا لا يحقّ له الكلام عن انّه يخوض حربا على الإرهاب اليس ما تفعله الطائرات الروسية والميليشيات التابعة لإيران في حلب إرهابا؟ هناك مدن سورية بكاملها يجري تدميرها عن سابق تصوّر وتصميم كونها سنّية. هناك عملية تغيير لطبيعة سوريا وطبيعة تركيبتها السكّانية. تبدأ هذه العملية بتهجير السكان الأصليين من مدنهم وقراهم واحلال آخرين مكانهم من منطلق مذهبي ليس الّا. لا تصبّ ممارسات من هذا النوع سوى في تغذية التطرّف والإرهاب بكلّ اشكالهما، الإرهاب الشيعي والإرهاب السنّي في آن.

فضلا عن ذلك كلّه، من يهمل لبنان ويتركه تحت رحمة "حزب الله" وايران، لا يحقّ له استهداف المملكة العربية السعودية التي سعت دائما الى إعادة السلام والازدهار الى هذا البلد الصغير بدل نشر البؤس فيه.

هذا غيض من فيض الممارسات الاميركية في الشرق الاوسط والخليج. آخر ما تحتاجه المنطقة هو حملة أخرى على المملكة العربية السعودية بهدف "شيطنتها" عبر تجاهل انّها في الجانب الذي يحارب الإرهاب ويرفض الرضوخ له. ولكن ما العمل مع إدارة أميركية تخلت عن مسؤولياتها وصار كلّ همّها محصورا في استرضاء ايران؟

كل ما يمكن قوله بعد قانون "جاستا" انّ الرضوخ الاميركي للارهاب بلغ مرحلة جديدة. هناك نوع من التخلي عن حليف في الحرب على الإرهاب من اجل حليف لا يعمل سوى على تشجيع الإرهاب والاستثمار فيه سياسيا. لا يزال امرا محيرا كيف يمكن للدولة العظمى الوحيدة في العالم ان تبلغ هذا الدرك؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
السعودية وملء الصفحة الجديدة مع لبنان
2017-01-20
لعنة سوريا ستلاحق أوباما
2017-01-18
في انتظار سايكس ـ بيكو... بحلته الجديدة
2017-01-16
مرحلة الحذر بين اميركا وايران
2017-01-15
هاشمي رفسنجاني الذي تجاوز عقدة 'الشيطان الأكبر'
2017-01-13
'جاستا' جرس الإنذار للعلاقات السعودية ـ الاميركية
2017-01-11
الصحافة اللبنانية لم تمت بعد
2017-01-09
على انقاض 'سوريا الأسد'
2017-01-08
لبنان والاشياء الصغيرة
2017-01-06
كيف ترد ايران علي روسيا وتركيا
2017-01-04
المزيد

 
>>