First Published: 2016-10-03

رسائل جون كيري.. وألغامه!

 

من زمن من معنا ومن ضدنا إلى زمن الإرهاب الحلال والإرهاب الحرام. هل تغير الكثير في واشنطن؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

يخال المرء أن التسريب الذي كشفت عنه الـ "نيويورك تايمز" والمنسوب إلى وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ما هو إلا مشهد تمثيلي متخيّل داخل رواية سوريالية. وقد يشتبه المراقب بأن ما أسمي "تسريباً" ما هو إلا حزمة رسائل لمن يهمه الأمر تعبّر عن مستوى التخبّط الذي باتت تعاني منه السياسة الخارجية الأميركية، لا سيما في الملف السوري، إلى درجة أن وجه الدبلوماسية الأول يشكو حاله، ويكاد يتوسّل من الحاضرين تفهّم ما وصلت إليه أموره.

وإذا ما تساقط وزراء الدفاع في إدارة أوباما واحداً بعد آخر تبرماً من سياسات تنسب دائما للبيت الأبيض، فإن صمود كيري في منصبه يعود إلى صبر وأناة ونفس طويل يتمتع به الرجل "في سبيل ظهور الموقف الأميركي موحداً"، حتى لو خذلته الإدارة الأميركية وأدارت آذانا صماء لدعواته لرفد قفازات الحريري التي يلبسها بقبضات من نار وحديد.

على أن سيّد الدبلوماسية الأميركية في مرافعته الدفاعية التبريرية يتدثّر بحجج ركيكة تعبّر عن إفلاس في إجتراح الصيّغ والتعابير التي تدعم وجهة نظره في مقابل من يخالفه الرأي داخل البيت الأبيض، كما داخل مؤسسات الحكم في الولايات المتحدة.

ننصت للتسريب الصوتي بدقّة علّنا نفطن لحبكة خفية تختبئ في ثنايا الموقف الأميركي. نزعم في قراءة أولى لخطاب كيري أن الرئيس أوباما هو المسؤول الأول عن إهمال أي خيار عسكري يرفد مقاربات كيري الدبلوماسية. لكن الرجل يعود في لحظة أخرى، وكأنه يتراجع عن زلّة لسان في روايته، يعتبر أن أي تدخّل عسكري كان سيعقّد الأمور أكثر، وهذه تماماً وجهة نظر أوباما التي ما برح يرددها، ليميل في لحظة لاحقة لتبرئة الرئيس وإدارته ورمي الكرة في ملعب الكونغرس الذي "لن يسمح أبداً باستخدام القوة" في سوريا.

بدا رجل الدبلوماسية الأول في الولايات المتحدة يسرّ بمكنونات نفسه إلى أصدقاء طفولة تقاسموا على مرّ السنين هموماً وحكايات مشتركة. لكن الأمر لم يكن كذلك. كان يتحدث في إجتماع، قيل أنه "خاص"، جمعه بعشرين شخصاً، بعضهم من السوريين العاملين في منظمات مدنية وطبية تنشط داخل مناطق المعارضة السورية، إضافة إلى بعض الدبلوماسيين الأجانب وبعض مساعديه. لا شيء في هوية الجمع ومكانه داخل الممثلية الهولندية في الأمم المتحدة يوحي بالاطار الخاص لهذا الاجتماع. ثم في توقيت التسريب ما يطرح أسئلة حول ما إذا كانت رسائل كيري موجّهة إلى الداخل الأميركي الذي لم يعد يوارِ خلاف البنتاغون والسي آي إيه مع الرئيس، أو أنها موجّهة إلى الخارج، إلى موسكو خاصة، لعرض الوهن في مركز القرار الأميركي والذي يمكن لمن يهمه الأمر، لا سيما موسكو، البناء عليه.

خرج السوريون من اجتماعهم مع كيري محبطين يائسين من أي تعويل محتمل على الإدارة الأميركية. بدا أن المطلوب من خلال تعبير كيري عن احباطه بثّ العدوى باتجاه الطرف السوري المعارض وافهامه بأن حربه ضد نظام دمشق جرت وستجري دون أي غطاء دولي أو إقليمي.

فالموقف الأميركي لا يتوقف عند حدود عدم التدخل المباشر أو عدم دعم المعارضة بأسلحة قد توقف مجازر النظام وغيّه، بل يذهب إلى وضع فيتو معلن يمنع قيام منطقة حظر للطيران، على ما جهد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في المطالبة به، ويمنع دول المنطقة الداعمة للمعارضة من تمرير سلاح نوعي يجعل من سلوك دمشق وموسكو مكلفاً، دون أي يؤدي إلى الإخلال بالتوازنات.

يلقي كيري باللائمة على المعارضين لعدم انخراطهم التام في الحرب الأميركية ضد داعش والنصرة. ينسى الرجل أن المعارضة في الأصل هي معارضة للنظام السوري ومعركتها الأولى والأخيرة هي ضد هذا النظام، وأن داعش والنصرة فرع من أصل المشكلة، وأن واشنطن تهوى قتال الفروع وتأمّل الأصول.

ثم أن في طرح كيري صدىً لقصائد أوباما، فكيف يستقيم أن يدّعي تمثيل رؤية مختلفة في مقاربة الملف السوري. والأنكى أن كيري يذهب إلى ما لم يجرؤ أي منبر أميركي على الجهر به، ذلك أن حزب الله، في عُرفه، لا يتآمر على الولايات المتحدة، ما يقيه شرور التواطؤ الروسي الأميركي داخل اتفاق الهدنة الشهير.

لسنا نحن من وضع حزب الله على لائحة التنظيمات الإرهابية وفق التصنيفات الأميركية، لكن كيري يعلمنا، لأول مرة، ما كنا ندركه دائماً، من أن الإرهاب الذي لا يستهدف المصالح الأميركية ليس إرهاباً، فهناك إرهاب حلال وإرهاب حرام. لكن حتى في هذا التشريح الجديد الذي يتناسى عمليات حزب الله ضد الولايات المتحدة والأميركيين منذ قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، فكيف تآمرت النصرة على الولايات المتحدة وأين ضربت مصالحها، إلا من خطيئة البيعة النظرية الإعلامية لتنظيم القاعدة التي تم فكّها مؤخراً نظريا وإعلاميا.

وحين لم يجد جون كيري حججاً تقف دون ترنح، أخرج من جعبته مسوّغ خاله مفحماً للحاضرين، كما لمن سيكتشف التسريب وراء الحاضرين. قال الرجل أن لا سند قانونياً يبرر تدخلاً أميركيا في سوريا، ذلك أن النظام السوري استدعى رسمياً التدخل الروسي، وهو ما حرم الولايات المتحدة من فتوى "حلال" تبيح محظوراً أو تشرّع محرما. وكأن واشنطن تمتعت بتلك الفتوى حين قادت أو شاركت في اسقاط نظام القذافي في ليبيا أو نظام ميلوسيفيتش في يوغسلافيا أو نظام صدام حسين في العراق. كان ديدن الولايات المتحدة في كافة حالات التدخل العسكري هو المرور عبر مجلس الأمن وأن تعذّر الأمر فمرور من خلفه وفق ديباجات تتشكل على أساسها ما بات يعرف بـ "القوات المتعددة الجنسيات".

وأما وقد أفاض الرجل في هدم المعبد جدارا وراء جدار، فقد انتهى إلى نصيحة من "حكيم" خبر الدنيا ينصح المحبطين المشدوهين بعروضه أن إذهبوا إلى انتخابات بوجود بشار الأسد، واعداً أن ينظّمها الغرب والأمم المتحدة، وهو الذي يعرف، ويعرف مستمعوه، أن أمر سوريا ليس غربيا ولا تملك الأمم المتحدة البت بشأنه، ناهيك عن أن موسكو، صاحبة الأمر في سوريا، لن تسمح بانتخابات متخيّلة لا تأتي على هواها. ثم من يضمن السيّر بما تفرزه الصناديق، إذا ما تمّ التسليم جدلاً بتلك الفرضية، والأسد ونظامه وأجهزه مطبقون على حال البلد وقراره، كما هو الحال منذ عقود سابقة على حراك "الربيع".

لا يمكن فهم التسريب الذي يفصح عن وجهة نظر وزير الخارجية الأميركي، إلا ضمن سلة محفّزات ما برحت واشنطن توفّرها، عن قصد أو عن غير قصد، لدمشق وموسكو وطهران للمضي قدماً دون وازع أو رادع، حتى محتمل، للمضي قدماً في ورشة تعيد رسم سوريا، المفيدة وغيرها، وفق منظومة تدمير منهجي، تنتج تهجيراً بشريا، يعيد انتاج هوية جغرافية وديمغرافية، فيها من العبث ما يتلاقى مع فلسفة "الفوضى الخلاقة" التي خرجت من بطن إدارة سابقة كانت تدير الولايات المتحدة في زمن "من معنا ومن ضدنا؟".

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
لبنان: ضجيج الرياض.. ورياض سلامة!
2017-05-26
هذه الترامبية التي تقلق إسرائيل!
2017-05-19
هل من صدام مقبل بين إيران وباكستان؟
2017-05-12
ماكرون رئيساً: فرنسا تعيد تصويب التاريخ!
2017-05-08
وثيقة حماس: ضجيج من أجل الهمس!
2017-05-05
المزيد

 
>>