First Published: 2016-10-03

هزيمة الإسلام السياسي في العراق تشمل جميع الطوائف

 

تتنافس مشاريع تحويل الاسلام كخلية نائمة إلى مشروع سياسي. إيرانيون وسلفيون ودواعش وأخوان. هذا على قسوته إنما سيحرر العقول من الأوهام الدينية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

حسب فهمي كانسان عاش في الثقافة الاسلامية، هو أن الاسلام وافق طموحات العرب. كان دفعة حضارية وقفزة كبيرة. في البداية كان الاسلام فيه رجال طموحون، مثلا خالد بن الوليد وجد في نفسه الموهبة العسكرية، ولا يمكن أن يحقق طموحاته اذا بقي قائد قبيلة أو مجموعة قبائل. الاسلام حقق له أحلامه؛ جيوش جرارة وحروب دائمة، وهو عبقري الجندية الفريد. خاض 200 معركة مهمة بلا هزيمة واحدة.

الصحابة الآخرون كانوا متفهمين، فأصبحوا بالاسلام قادة وخلفاء وولاة ودعاة وقضاة وجامعي خراج وتجارا كبارا، على الهامش وبصمت نشأ رجلان؛ واحد مؤمن تماما بالاسلام بتطرف والآخر لا يبدو عليه التدين على الإطلاق، هما علي بن ابي طالب ومعاوية.

الأول ذهب ضحية هذا التصديق المتطرف للدين والآخر قام بشيء رهيب وتاريخي. خلص الدنيا من سيطرة الدين، أصبح الدين وسيلة وأداة بيد السلطان، وليس كما كان يريد علي وغيره التطبيق الحرفي للشريعة. كان بيت مال معاوية بالشام يغص بالذهب واستعان بالنصارى والروم لإدارة المال واستثماره وتطوير التجارة، بينما خصمه علي بن ابي طالب في الكوفة يكنس بيت المال بيده كل يوم زاهدا خائفا من يوم الحساب بعد توزيع المال على الناس. يعني الرجل ورع ولا يفهم بالاقتصاد. هذا هو الموضوع ببساطة.

والسواد أي سواد الناس، أخذوا الدين كما أخذوا النصرانية من قبل، وكما كانت الوثنية في الجاهلية كعزاء ورجاء واستعانة على العذاب والضعف والحزن والمرض والخوف، وهكذا اختلطت القصة بتغسيل الموتى والولادة وبالأعياد والتجارة والفرح والحزن والشدة، حتى صارت حضارة عظيمة.

هذا الأمر اكتشفه الشيخ محمد بن عبدالوهاب في القرن الثامن عشر، وهو أن الاسلام مجرد عادات وتقاليد وليس ذلك النشيد والاندفاعة الاولى نحو التوحيد التي ظهرت بسيوف الصحابة والفتوحات. التوحيد دفعة لبناء الأمم وليس مجرد تقاليد، لهذا استفادت السعودية من التوحيد في توحيد الجزيرة، كان حلم آل سعود دوما توحيد الجزيرة العربية، ضم الحجاز والأحساء ونجد ونجران وحائل. المهم عاد الاسلام الى التقاليد وانتهى الامر بعد توحيد الجزيرة العربية أخيرا على يد الملك المؤسس عبدالعزيز بن سعود.

ولكن بقي مفهوما دوما بأن الاسلام يمكن تثويره فهو خلية عظيمة نائمة، يمكن إيقاظه دوما وتحويله الى جيش ودعوة وتوحيد، وعلى هذا قال الفقهاء بطاعة ولي الامر ما دام يسمح بالعبادات. اي ما زال الاسلام يبقى خلية نائمة قابلة للتثوير والجهاد في حال تهددت العبادات وهجم الصليبيون. هذا هو جوهر طاعة ولي الامر، لأن هم الفقيه الحفاظ على الدين وليس السياسة. وتعاهد الأمراء والفقهاء، أن يكون الله مع الغالب من الأمراء دوما، طالما هذا الغالب مسلما.

حاول أتاتورك كسر هذا النموذج، فهو أول رئيس قوي علماني بعد الخلفاء العثمانيين، حاول التحرش بالعبادات والتقاليد والفقهاء. أراد انتزاع الخلية النائمة وتحديث البلاد ولم ينجح. فقد ظهر أب جديد لتركيا اسمه أردوغان، وسيعمل الغرب اليوم وبسبب خطر داعش والتطرف والإسلام على القيام بنفسه هذه المرة على إتمام مهمة اتاتورك وإقناع المسلمين بالعلمانية.

نحن بين نموذجين؛ أبو بكر البغدادي وأردوغان كليهما يطمح الى الخلافة. اسلام البغدادي هو التوحيد، تطبيق السنة النبوية مرة اخرى، وتجديد البيعة بالتوبة والسيف والهجرة والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار والفتوحات والنفير والجنة والشهداء. استنساخ واضح للدعوة النبوية والسيرة.

اردوغان - بالمقابل - لا يرى الأمر كذلك، بل يرى هناك مشكلة في دعوة البغدادي، فهي تختلف حتى عن دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب، لأن مؤسس الوهابية لم يعلن نفسه خليفة، بل بايع أميرا دنيويا على نصرة الدعوة. البغدادي هو شيخ وخليفة في نفس الوقت، بمعنى انه تقمص شخصية النبي. اردوغان يريد من الاسلام أن يكون وسيلة، لإعادة الخلافة بطريقة سياسية براغاماتية، أي أن طريقته تختلف.

وعلى النقيض من الطرفين يريد العرب فصل الدين نهائيا عن السياسة. العرب لا يريدون حزبا باسم الاسلام ولا تنظيما، يريدون من رجال الدين العودة الى المسجد، مع دعم اكبر لليبرالية والتنوير واللادينيين.

هذه ثلاثة رؤوس تتحرك أمامنا، مشكلة اردوغان أن قطع رأس البغدادي، سيجعله ضعيفا ويقوي العرب. فالقضاء على داعش بعد خراب ينفر الناس نهائيا من الاسلام السياسي بكل أنواعه، ويخرجهم أفواجا من الاهتمام الديني، خصوصا أن هناك نموذج علماني ناجح هو الذي اقتلع داعش وهزمهم وهو الغرب.

نلاحظ اليوم تقاربا تركيا حتميا مع ايران، فبغض النظر عن الحاجز المذهبي كلاهما مستهدف من الغرب والجوار. كلاهما يريد الاستثمار في الفتن الدينية والتطرّف والعداء لإسرائيل، كلاهما يريد من الاسلام السياسي أن ينهض. انه تقارب على أساس المصير المشترك بين نظامين إسلاميين.

اعتقد بأن المستقبل علماني. لا يمكن للدين أن يعود الى أستاذية العالم في العصر الحديث. الشعوب يتحرك مزاجها بعيدا عن الدين وليس فقط بعيدا عن داعش. العالم يتغير نحو النور.

يريد الغرب من العربي أن يدير ظهره للفهم الديني الى الأبد كالغربيين، وهذا سيبدأ بالعراق طبعا. الدماء التي تنزف هي شرايين المعتقدات القديمة ودموعها. سيقتلعون العناد الديني من العراق مهما كلف الثمن. هذا هو الذي يجري، لاحظوا كيف مر موسم الحج باهتا لأول مرة في العراق، وستلاحظون كيف سيمر عاشوراء باهتا هناك. هناك تعب وتحول بالمزاج وانقلاب عراقي، حين يكتمل يتغير النظام السياسي.

لقد رأينا أكرم الناس وقد أُهينوا، أشراف الفلوجة والرمادي أفاضل الناس، ما مر بهم خائف الا أمنوه، ولا جائع الا أطعموه، ولا مخذول الا نصروه. ما انطفأت نارهم عبر العصور، وانطفأت اليوم بكل أسف، احترقت أشرف البيوت بالنار والصواريخ، بكت عزيزات الأنبار من القهر والمذلة، وغدا ربما تحترق الموصل، ويُهان أهل العلوم والسؤدد والمجد، اكثر مما يهانون على يد داعش اليوم. كل هذا بسبب الاسلام السياسي والتطرف.

إن الغرب ناقش هذه المشكلة قبل مئات السنين، أعظم العقول والفلاسفة تدخلوا وقهروا السلطان الديني، ونحن كنا نائمين في نير العثمانيين والإقطاع. الغرب يقول لا نعرف سر الكون ولا موضوع الحياة بعد الموت ولكن بما عندنا من علوم ومعرفة نجعل من الحياة أفضل ونضمن بالفنون والحريات والفلسفة كرامة الانسان والعقل والحرية.

الفهم الديني في العراق بدأ يتزعزع سواء السنة أو الشيعة. رجل عراقي نازح من الأنبار ويعيش في خيمة سأل يقول أيام الحرب العراقية الإيرانية كان الإعلام العراقي مفتونا بالآية الكريمة التي تتحدث عن أن القتيل في سبيل الله "حي عند ربه" وهكذا ذهب نصف مليون قتيل، وفي حرب الكويت ربما مئة الف قتيل، هؤلاء جميعا شهداء؟

واليوم نجد بأن العراقي الذي يقاتل مع ايران يعتبرونه شهيدا، ومع اميركا يعتبرونه شهيدا، وضد أميركا يعتبرونه شهيدا، والدواعش يعتبرون قتلاهم شهداء أيضاً. هذه التناقضات هزت قناعات الناس الدينية في العمق.

ثم أن الهزيمة في حرب دينية دائماً نهايتها الفتور الديني والتحول العلماني. عندما أسلم أبو سفيان بين يدي النبي قال "والله لقد ظننت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا بعد" يقصد بأن إلهه لم ينصره. ولما أسلمت هند جعلت تَضْرِبُ صنمًا في بيتها بالقدوم حتى فلّذته فلذة فلذة وهي تقول: "كنّا منك في غرور" بمعنى أنه لا يضر ولا ينفع. وفي العراق اليوم تمت هزيمة هؤلاء المتطرفين الإسلاميين بطائرات علمانية يقودها طيارون غير مؤمنين بالديانات.

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
دونالد ترامب، أو غضب الرجل الأبيض
2016-11-23
المزيد

 
>>