First Published: 2016-10-04

الموصل تحمل جنازة العراق

 

مصير لا تستحقه المدينة التي عرفت بوطنية أبنائها الخالصة وعمق انتمائهم العربي إلى العراق.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

في 9 حزيران 2014 سقطت الموصل في قبضة التنظيم الإرهابي (داعش) بطريقة صادمة بغرابتها. لقد كانت ثاني مدن العراق مدينة مفتوحة، بعد أن تخلى الجيش العراقي عنها تاركا أسلحته الأميركية الحديثة هدية لعدو لم ينازله ولم يتعرف عليه.

لم يهتم العراقيون كعادتهم بالبحث عن أسباب سقوط المدينة. اكتفوا بتبادل الاتهامات في ما بينهم، في الوقت الذي تمترس الجميع خلف جدار نظام المحاصصة الذين يهبهم حصانة مطلقة، بغض النظر عما تشكله أفعالهم من خطر على الأمن الوطني.

كانت الخيانة هي التفسير الأمثل لما جرى. لقد خان الجميع الأمانة. ولم يكن عسيرا أن توجه تلك التهمة إلى نوري المالكي وقد كان رئيسا للوزراء وقائدا عاما للقوات المسلحة يومها.

قبل أوامره الموثقة والقاضية بإنسحاب الجيش من غير قتال كان المالكي قد مارس سياسات العزل والتهميش والاقصاء في حق سكان المدينة وكانت الاعتقالات تجري بطريقة عشوائية، الامر الذي أدى الى تصاعد النقمة في الشارع الموصلي الذي عرف تاريخيا بوطنيته المنضبطة.

تسليم المدينة لداعش كما هو واضح كان خطوة مبيتة، هي استكمال لسياسة النبذ التي مارستها حكومة المالكي لأسباب طائفية.

هل كان الموصليون متعاطفين مع التنظيم الإرهابي، متعاونين معه؟

لا أحد يعلم. فأخبار الداخل الموصلي انقطعت ولم يعد أحد يهتم بالبحث عنها كما لو أن المدينة تحولت فجأة إلى قلعة يعمها الصمت.

الكلام الذي يردده البعض عن نعاون أهل الموصل مع داعش ليس صحيحا أو دقيقا. ذلك لأنهم لم يفتحوا أبواب مدينتهم للقوات الغازية كما فعل الاكراد ذات يوم من أيام الحرب العراقية ــ الإيرانية حين فتحوا أبواب حلبجة للقوات الإيرانية، في خطوة كانت سببا في تدمير البلدة الكردية الصغيرة.

بعد أكثر من سنتين على احتلالها تعود الموصل إلى الواجهة مرة أخرى.

لا يتعلق الامر باستعادتها تحت إشراف الولايات المتحدة المباشر، بل بما يمكن أن تلعبه من دور خطير في تشكيل صورة العراق مستقبلا. وهي الصورة التي رسمت الولايات المتحدة خطوطها (مشروع بايدن) وتحمس لها السياسيون الأكراد والشيعة من قادة العراق الجديد فيما رفضها السنة.

الان تعود الموصل واجهة للحل الذي انتظرته أطراف عديدة والذي يقوم أصلا على مبدا تفكيك العراق إلى ثلاثة أقاليم، وليذهب كل إقليم فيما بعد إلى مصيره. وهو المبدأ الذي صار سنة العراق على استعداد للقبول به الآن، بعد ما لحق بهم وبمدنهم من دمار شامل بسبب سياسات المالكي التي صادق عليها التحالف الوطني الحاكم بإسم الشيعة.

تحرير الموصل سيكون فاتحة لتقسيم العراق. وهو مصير لا تستحقه المدينة التي عرفت بوطنية أبنائها الخالصة وعمق انتمائهم العربي إلى العراق.

وكما يبدو فإن تلك الجريمة كان مخططا لها منذ اللحظة الأولى التي قرر فيها المالكي أن يضع المدينة تحت هيمنة الحواجز الأمنية التي مارست في حق سكانها أبشع صنوف الاذلال والإهانة والاضطهاد وصولا إلى تسليمها لداعش بطريقة تكشف عن عمق الرغبة في الانتقام من المدينة التي وهبت العراق أكثر ضباطه نبلا وشجاعة.

المدينة التي لن يرغب سكانها في العودة إلى ما كانوا عليه قبل احتلال داعش ستكون مضطرة إلى الانصياع إلى قدر، هو الخيار الوحيد الذي يحفظ سلامتها ويجنبها دمارا شاملا، كانت المدن العراقية الأخرى ذات الأغلبية السنية قد تعرضت له، بسبب عصيانها لفكرة التقسيم.

ستحمل الموصل وحدها جنازة العراق.

المدينة التي شهدت انشاء أول مكتبة في التاريخ البشري سيكون عليها أن تتحمل وزر خطيئة تاريخية لا تغتفر.

ما سيقال ظلما إن ضياع العراق هو ثمن حرية الموصل.

أيتها الحرية. لقد ظلموك حين صنعوا منك عنوانا للجنازات. وهذا ما يفعله العراقيون في كل لحظة من لحظات هزيمتهم.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الاكراد يغلقون باب العراق الموحد
2017-08-17
دولة فاسدة في العراق، ما أخبار المجتمع؟
2017-08-16
هناك شعب يصفق من أجل أن يحيا
2017-08-15
لن تقوم دولة الأكراد إلا بعد انهيار العراق
2017-08-14
الوحش الذي ابتلع لبنان
2017-08-13
ما بعد الصدر ما قبل السعودية
2017-08-12
ارهابيون ديمقراطيون على شاشة الجزيرة
2017-08-10
بريطاني نعم عراقي لا
2017-08-09
حزب الله من المقاومة إلى المقاولات
2017-08-08
سياسة إيران الرثة وسباق التسلح
2017-08-07
المزيد

 
>>