First Published: 2016-10-04

الساعاتي لا يخادع

 

حتى إذا أصيبت المدن بالوهن، فالساعاتي يبقى الأكثر حيوية فيها، الساعات كالخيول وفق وصف القاص محمد خضير، ومنها يمتلك الساعاتي قوته، ولا يمكن أن تكون الساعات سائلة مرتخية كما رسمها سلفادور دالي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

الساعات لا تسيل!

كان عليّ أن أستعيد صورة الساعاتي التي مرت على ذهني على مدار أعوام، وأنا أسعى لإصلاح ساعتي بعد توقف مبدل تاريخ الأيام.

ساعتي من ماركة موريس لاكروا ثمينة نسبيا ولدي تعهد بصيانتها من الشركة المصنعة لغاية عامين من شرائها، وعندما قدمتها لفرع الشركة في لندن مع بطاقة الضمان، رفض العاملون في الفرع استلامها، وأكدوا أن قوانينهم لا تسمح باستلام الساعة مباشرة من مالكها، وعليّ أن أعيد إرسالها لهم بالبريد المسجل!

لن يفضي الجدل إلى شيء على مثل هكذا قانون أحمق، فهم في النهاية لن يقبلوا استلام الساعة مهما فعلت، عدت أدراجي وأقنعت نفسي بتجاهل توقف تاريخ اليوم، مادام التوقيت ينبض بالحيوية.

استعدت فخامة وأناقة الساعاتي كمهنة لا يقترب منها إلا من يتسم برباطة الجأش والصبر وقوة الأعصاب والتحمل، فالساعاتي لا يخل بالمواعيد مثل الخياط! وليس لديه متسع للثرثرة كالحلاق، ولم يكن في متجره إلا أنيقا في كامل قيافته، ولأنه يتعامل مع الوقت ظلَ منضبطا على مدار مهنته.

حتى إذا أصيبت المدن بالوهن، فالساعاتي يبقى الأكثر حيوية فيها، الساعات كالخيول وفق وصف القاص محمد خضير، ومنها يمتلك الساعاتي قوته، ولا يمكن أن تكون الساعات سائلة مرتخية كما رسمها سلفادور دالي.

صورة الساعاتي بقيت في ذاكرتي أينما عرفته، ففي مدينة مصراتة الليبية، كان متجر الساعاتي أكبر من حاجته وفيه من المقاعد ما يتسع لعشرة ضيوف، كان رجلا بمواصفات ليبية صرفة يقترب من عقده السبعيني، عندما قدمت له ساعتي الرخيصة قبل عشرين عاما لاستبدال بطاريتها، خيّرني بنوعين من البطاريات سعر الثانية ضعف سعر الأولى لأنها ستدوم أكثر، وعندما أجبته بلغة عربية فصحى أثرت اهتمامه مع ثلاثة من ضيوفه الجالسين حول طاولته، رفع رأسه وبدأ يحدثني باهتمام أكثر.

كانت مصراتة آنذاك واهنة وتنام مبكرا فتحول متجر ذلك الساعاتي إلى ملتقى لأصدقائه مساء كل يوم، يتحسرون على زمن آفل وهم يرون الرثاثة تحيط به، الساعاتي المصراتي كان أكثر من ساعاتي حينها وهو يتحدث عن التاريخ الحي في الساعات، وسط تاريخ ميت يكتنف البلاد.

تذكرت المصراتي وأنا أقدم موريس لاكروا إلى ساعاتي يوناني في متجره الصغير والمزدحم في وسط لندن، أدهشني جلوسه المسترخي في مكان ضيق علقت فيه المئات من الساعات والقطع الصغيرة النادرة.

تقبل ساعتي بود وأخبرني أنه يحتاج ليومين على الأقل لإعادة دوران تاريخ الأيام، وشرح لي كيف أنه ثمة أكثر من ترس عليه إعادة ربطها كي تعود التواريخ للتبدل.

عندما شعر بأنني أنصت له بتأمل واهتمام، سألني إن كنت متأكدا أنني أحتاج من الساعة لمعرفة تواريخ الأيام، مادامت عقاربها تدور بانضباط ولا مشكلة في توقيتها.

لم ينتظر ردي، ونصحني بأن أبقيها في معصمي، فالساعة للتوقيت، أما تواريخ الأيام فتبقى هامشها!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
صور زعماء في حمام ألماني
2017-10-10
الأخبار الزائفة تضخم صوت الهتاف
2017-10-08
متى يغني كاظم الساهر في السعودية؟
2017-10-03
هل يحتاج الصحافي إلى بودي غارد؟
2017-10-01
أصابنا الهوس
2017-09-26
الصحافة غير معنية بكسب الأصدقاء
2017-09-24
أحتفظ بربطة عنقي احتراما لقواعد اللغة
2017-09-19
ماذا يحدث عندما تتوقف الصحف عن الإصدار
2017-09-17
المزيد

 
>>