First Published: 2016-10-05

مثلث القوة الناشئة والأزمة السورية

 

يوميا ثمة خطوة جديدة على طريق التنسيق الروسي الايراني التركي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

الشائع بين الدول الإقليمية الكبرى تقاطع المصالح وتضاربها، وضرورات ثوابت الجغرافيا وتحولها إلى جيوبولتيكس بهدف تعظيم المصالح والسطوة والسيطرة. وإذا كانت تلك القاعدة الذهبية هي الأكثر انتشارا في السياسات الإقليمية عبر التاريخ، فان ما يثبتها حاليا، نوع العلاقات الناشئة بين روسيا وتركيا وإيران، بخاصة خلال الفترة الماضية، وما يدور من نقاش حول تكوين نظام اقليمي مثلث الأضلع، يجمع ثوابت الجغرافيا وتناقض التاريخ في علاقات تبدو هي الأشد حساسية عبر عقود طويلة من الزمن.

ما يجمع الدول الثلاث حدود ملتهبة، سرعان ما تتأجج لتخبو من جديد، ذلك بفعل الطموحات غير الواقعية، أو على الأقل التي لا تتناسب مع أحجام قدراتها الفعلية، وإذا كان الأمر عاديا في سياسات الدول عامة، إلا أن هذه الميزة في تطلعات هذه الدول، تبدو استثنائية بفعل ظروف كل دولة، وإمكانية استثمارها في العلاقات البينية أو مع غيرها من الدول، ويبدو أن ما يجري حاليا بين العواصم الثلاث، هي ترجمة واقعية لقراءة تبدو متأنية حول بعض الملفات، وإمكانية الاتفاق حول بعض تفاصيلها، ومن بينها الأزمة السورية، التي تبدو عنوانا شرها لتحقيق الكثير من المكاسب البينية أو المنفردة لكل ضلع من المثلث الناشئ.

فروسيا القيصرية بنت سياساتها الإستراتيجية للوصول إلى المياه الدافئة، تارة عبر إيران وتارة أخرى عبر تركيا، وهي إذ جربت تحقيق هذه الأحلام بالقوة، فهي أدركت عدم القدرة على الاستمرار مطولا، وبالتالي وجوب البحث عن وسائل أخرى، وتمكنت من ذلك، كمثال اتفاقية القسطنتينية للملاحة عبر البوسفور والدردنيل، فيما الغزو القيصري لإيران ظل خيارا منفذا ومتاحا في بعض الفترات، كما أتيح في الحقبة السوفياتية إبان الحرب العالمية الثانية.

الضلع الآخر من المثلث والمتمثل بتركيا، ظلت إلى وقت غير بعيد تمارس دور الدولة العازلة بين موسكو السوفياتية والشرق الأدنى والأوسط، ومع استلام حزب العدالة والتنمية السلطة في أنقرة، تضخمت تطلعاتها، وثبت عدم قدرتها على ذلك كنموذج دورها النشط في الأزمة السورية، ومع تداعيات الانقلاب الأخير، لم يعد للرئيس التركي رجب طيب اردوغان، إلا إعادة خلط أوراقه الإقليمية مترجمة بالتقرب من موسكو، بعد شعوره بالخذلان من موقف واشنطن خاصة والغرب عامة من الانقلاب، علاوة على الاحتضان الروسي له، وفسح المجال لإمكانية إعادة تعويم دوره والاستفادة من الملفات الساخنة بالاشتراك مع طهران مثلا عبر البوابة السورية.

أما الضلع الثالث المتمثل في إيران، فيبدو الأكثر قدرة على الاستفادة من الواقع الجديد، فهي حجزت موقعا إقليميا متقدما بعد انجاز الاتفاق النووي مع الغرب، وحجزت موقعا فاعلا بعد تدخلها المباشر في الأزمة السورية، وتمكنت من جذب موسكو عبر قاعدة همدان، واليوم تترجم هذه الاستثمارات بمحاولة جذب أنقرة ومشاركتها في ملف الأمة السورية مع موسكو.

ثمة حراك نشط بين العواصم الثلاث في محاولة لإنشاء نظام اقليمي ذي طابع برغماتي محوره كسب الملفات الإقليمية والبناء عليها. لكن السؤال المركزي الذي يطرح نفسه حاليا، هو حول رد الفعل الأميركي خاصة والغربي عامة من هذا الحراك، هل سيسمح حلف الأطلسي العبث بالتوازنات القائمة في عمقه الحيوي؟ وهل بمقدور الدول الثلاث مواجهة أي رد فعل عالي المنسوب؟ ربما الأمور تبدو أكثر تعقيدا عند التدقيق في تفاصيل تلك المحاولات. فروسيا التي تعتبر ثقل القوة في هذا الحراك تبدو مركزا جاذبا لكل من تركيا وإيران، فيما الطرفان الآخران، هما الأكثر قدرة على احتواء ملفات كثيرة والتلاعب فيها، رغم أن ثقل القوة لكليهما هو ذو طابع تأثيري موضعي لا اقليمي واسع، وبالتالي عدم مقدرتهما في العقد والوصل في جميع مفاصل الأزمات ومنها الأزمة السورية وملفاتها التفصيلية الاستثمارية كملف القضية الكردية على سبيل المثال لا الحصر.

طبعا ثمة تقاطع وتشابك مصالح كثرة ومعقدة في العواصم الثلاث، لكن الصورة تبدو أكثر تعقيدا من المتداول إعلاميا في هذا السياق، فالدول الثلاث رغم امتلاكها قدرات تأثيرية في بعض الملفات، إلا أن علاقاتها البينية ذات المصالح المتقاطعة تبدو تكتية أكثر منها إستراتيجية، وبالتالي لا تملك القدرة على التأثير في جميع الملفات وتفاصيلها حتى النهاية، وبالتالي ثمة مصاعب جمة سوف تواجه هذا الحراك، وبخاصة في المراحل التي ستلي ومنها الجوانب التنفيذية، ومهما يكن من أمر ما يثار حول اللقاء المزمع الذي سيحاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين انجازه بين الرئيسين السوري والتركي في موسكو، فان القادم من الأيام سيظهر اجتماع الدول الثلاث على سوريا وليس معها.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
تحديات الأمين العام للأمم المتحدة
2017-01-11
الخلفيات القانونية والسياسية للقرار 2334
2017-01-09
المزيد

 
>>