First Published: 2016-10-05

ليس للشيعة حائط مبكى

 

يبكي العراقيون على الحسين فيما تتسرب مليارات الدولارات من ثروتهم إلى الخارج، من غير أن يحتاج اللصوص إلى أي غطاء، سوى ذلك الغطاء الذي يجمعهم بالحشود الباكية.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لا يحتاج العراقيون سببا للبكاء. لا الآن ولا في أي وقت مضى. كان العراقي يخشى العاقبة إن ضحك. لقد قيل دائما إن لا أحد في إمكانه أن يجاري العراقي في انجراره وراء عاطفته وطاعته لأوامرها، غير أن تعبيره عن تلك العاطفة غالبا ما يتخذ طابعا مجنونا.

لقد نسج القدر حكاية مقتل الامام الحسين بن علي لتكون بمثابة الوشاح الذي يضفي على ذلك السلوك العراقي نوعا من محاولة التماهي مع التاريخ، ومن خلاله مع عقيدة، صارت تعبر عن اختلافها من خلال عادات وتقاليد، جزء منها كان تجسيدا للرغبة في اظهار الندم.

لا منطق في إمكانه أن يفسر القسوة التي يمارسها شيعة العراق في حق أنفسهم وهم يستذكرون سنويا واقعة الطف التي مضى عليها أكثر من 1400 سنة. ربما يكون البكاء هو الجزء الأقل ايلاما من تلك الظاهرة.

لقد حاول عدد لافت من رجال الدين الشيعة أن يفتوا بحرمة تلك الطقوس الشعبية، غير أن كل محاولاتهم باءت بالفشل امام إصرار الأحزاب الشيعية على أن استمرار المسيرات الجنائزية هو التعبير الأمثل عن سطوع نجم الشيعة. وهو ما يعني أن الشيعة لا يملكون شيئا يميزهم عن سواهم سوى اللطم وضرب ظهورهم بالحديد وشق رؤوسهم بالسكاكين والزحف على الركبتين والعويل. وهو معنى يظلم الشيعة، عراقيين اسوياء ترك البعض منهم بصماته واضحة في بناء المجتمع العراقي وساهم في تطوره واغنى مفردات قاموسه الخيالي.

لقد ظُلم الشيعة بحائط مبكاهم الوهمي.

يبكي العراقي حين تهجره حبيبته. يبكي حين يتعرض لخيانة صديق. يبكي حين يرى أمه بعد فراق. يبكي في غربته وليل وحدته وسكره واضطراره إلى أن يقول شعرا ما يعجز عن قوله نثرا. يبكي إذ يرى الآخرين يضحكون، حالما بالضحكة التي يوزعها على العالمين. يبكي حين يغني وحين ينصت إلى الغناء وحين يفتقد الغناء. يبكي في السجن وحين تفتح الحرية أمامه أبوابها. وهو ما يمكن تفهمه.

أما أن يكون هناك موسم للبكاء الجماعي الذي تتخلله حفلات جماعية هي الأخرى للطم وشق الرؤوس وضرب الظهور والزحف على البطون فذلك ما لا يمكن أن يفهمه عاقل وهو نوع من السلوك الذي لا يمكن أن يقبل به أي مجتمع متحضر.

هل يضرب اليهود رؤوسهم بحائط المبكي الافتراضي ندما؟

لست على دراية بالتقاليد الدينية لليهود ولكني أظنهم لا يفعلون ذلك.

كان من الممكن أن يكتفي الشيعة العراقيون بالبكاء في محاولة منهم لاستذكار حادثة مقتل امامهم الثائر. وهو أمر لن يلومهم فيه أحد، كما أنه لا يعرضهم للسخرية عالميا. اما ان ترتكز هويتهم على تلك الاستعراضات الدموية التي لا يرى المتحضرون منها سوى الرغبة في العودة بالإنسان إلى همجيته فإن ذلك من شأنه أن يوسع المسافة التي تفصل بينهم وبين إنسانيتهم التي صارت في خطر في العراق بالتحديد.

فشيعة العراق مطالبون اليوم ببناء دولة، بدلا من تلك الدولة التي هدمها الاحتلال الأميركي. لقد استلمت الأحزاب الشيعية الحكم في دولة هي ليست دولة بالمفهوم الحديث. فما الذي فعلته تلك الأحزاب من أجل أن تكون هناك دولة يقودها الشيعة؟

لا شيء تماما.

اختزلت الحرية في الشروع بالمسيرات الجنائزية التي صارت عنوانا للعراق الجديد. وهو عراق يستعير هويته من الرايات التي صارت المواكب الحسينية ترفعها تعبيرا عن زهوها الفارغ الذي لا قيمة واقعية له بالانتماء إلى نهج آل البيت، وهو نهج لم يكن له أي دور في صناعة التاريخ العربي ــ الاسلامي، على افتراض أنه كان موجودا يوما ما.

هناك كذبة ضلل الشيعة العراقيون من خلالها أنفسهم. وهو ما سهل على الأحزاب التي احتكرت تمثيلهم أن تستمر في سرقة المال العام والتصرف بثروات العراق بما يخدم مصالحها ويضخم كنوزها.

يبكي العراقيون على الحسين فيما تتسرب مليارات الدولارات من ثروتهم إلى الخارج، من غير أن يحتاج اللصوص إلى أي غطاء، سوى ذلك الغطاء الذي يجمعهم بالحشود الباكية.

ألا يمكن والحالة هذه اعتبار ماكنة الفساد التي اتقن نوري المالكي صنعها هي حائط المبكي الذي سيضرب به الشيعة العراقيون رؤوسهم إلى أن يظهر المهدي؟

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الاستثمار في القضية الفلسطينية
2017-12-14
حرية لبنان في قفص حزب الله
2017-12-13
الكذب بإسم المقاومة
2017-12-12
لماذا الشارع وليست الحكومات؟
2017-12-11
مسؤولية العرب عما فعله ترامب
2017-12-10
لماذا لا تحاور بغداد الأكراد؟
2017-12-09
السعودية والإمارات، تعاون من أجل المستقبل
2017-12-07
'لولا الحشد الشعبي لوصل داعش إلى قلب باريس'!
2017-12-06
اللعب مع الثعابين
2017-12-05
لقد فعل العراقيون الأسوأ
2017-12-04
المزيد

 
>>