First Published: 2016-10-06

غموض التسويات في الأزمات العربية

 

استهوت لعبة الشطرنج النافذين في أزمات المنطقة. تحريك قطع اللعبة يهدف الى نهاية وليس لغاية التحريك وحسب.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

منذ عام تقريبا، رشحت مجموعة من التطورات، جعلت كثير من المراقبين يتفاءلون ويظنون أن طريق التسوية لعدد من الأزمات العربية، أصبح مفروشا بالورود، أو على الأقل تراجعت كثافة الأشواك الملقاة على جانبي الأزمات الساخنة، في كل من سوريا واليمن وليبيا والعراق، ناهيك عن أزمة الرئاسة في لبنان.

وبعد مضي عام تقريبا، لم تتمكن الدول التي شمرت عن سواعدها للإعلان عن بدء عصر التسويات، من تحريك إحداها عن المكان الذي التي قبعت فيه، برضاء شعوبها، أو دون إرادتهم، المهم أن الحصيلة تكاد تكون صفرا كبيرا، وباستثناء تصاعد أو تراجع نفوذ بعض القوى المحلية والإقليمية والدولية في هذه الأزمة أو تلك، لم نر طحينا، مع أن الضجيج الذي صاحب التبشير باقتراب التسويات، صم الآذان.

رأينا ارتفاعا في الأصوات بشأن التوافق على تسوية الأزمة السورية، وسمعنا عن صفقات جرى عقدها سرا بين الولايات المتحدة وروسيا، وملامح منها، مع ذلك لم تتقدم الأزمة خطوة للأمام، ولا تزال الاجتهادات متواصلة حول سبل الخروج، دون تقديم دليل عملي يثبت أن هناك أفقا إيجابيا حقيقيا، يسمح بوضع حد للاقتتال الذي يجري على الأراضي السورية، التي تحولت، بفعل التداخل الكبير في الحسابات، والتشابك العميق في التقديرات، إلى ما يشبه ساحة حرب عالمية، لا أحد يقطع متى تضع أوزارها.

ورأينا تجهيزات خشنة وأخرى ناعمة، لوقف الحرب في اليمن، وصفعات وتفجيرات ومساومات وتنازلات، ولا تزال مستعرة، وتبحث أطرافها الرئيسية عن بريق أمل ينهي المأساة الإنسانية هناك، ويحفظ لكل طرف ماء وجهه، ولا يظهر أمام الجميع أن الكل رابح أو الجميع خاسر، فتلك محطة لا ترضي الغرور، وتجعل الأرض ممهدة لمواصلة الحرب، وإن توقفت بهذه الطريقة سيصبح أصحابها والمتورطون فيها على أهبة الاستعداد لدخول جولة جديدة.

ورأينا أيادي متعددة تعبث في ليبيا، بذريعة البحث عن الأمن والسلام، وأطراف تكالبت على أراضيها، من الشمال والجنوب، والغرب والشرق، ومؤتمرات عقدت علانية، ومفاوضات جرت من وراء ستار، والنتيجة قتال مستمر، وصراع منهمر، وتوترات لم تخل منها منطقة ليبية، فضلا عن زيارات لشخصيات رسمية من دول مختلفة، وجولات مكوكية لمسئولين دوليين، حاولوا وقف نزيف الدماء في الظاهر، لكن في الجوهر ساهمت تحركاتهم في إطالة أمد الأزمة.

ورأينا في العراق ما يشبه دول أخرى تعاني الويلات، بسبب الأطماع الطائفية، والطموحات الإقليمية، وفرض الإرادات الدولية، والعبث بحرماته الاجتماعية، لذلك بقي هذا البلد الذي بدأت معه الموجة الراهنة من الفواجع العربية، رهينة لحزمة من الحسابات أقامت عليها قوى تصورات وسياسات ودشنت ممارسات، جعلته مدخلا لكثير من النكبات، علاوة على نكبته الطائفية المستمرة.

ورأينا الوضع في لبنان، الذي يعد أقل وطأة، لكن الانسداد الحاصل في منصب الرئيس، انعكاس طبيعي للتصرفات التي تقوم بها قوى متباينة في دول الجوار، وربما لم يؤخذ بجريرتها مباشرة، لكنه في النهاية عانى الويلات من روافدها السياسية والأمنية والاقتصادية، ولم يعد باستطاعة شعبه اختيار رئيس للجمهور، فقد وضع هذا المنصب في سلة التراشقات والتجاذبات الإقليمية، وأصبح تغيير بعض المعادلات الخارجية شرطا لزحزحة الانسدادات الداخلية.

البانوراما السابقة، تنطوي على علامات مشتركة ومتكررة، تكشف لأي درجة أن الداء واحد، وربما العلاج أيضا، وإذا كان من السهولة التشخيص، فمن اليسير تحديد الأنواع اللازمة للشفاء من الأمراض المستعصية التي تعاني منها دول محورية في المنطقة، تعج بالتوترات والحروب.

الغموض الحاصل في مصير التسويات، يعود في جانب كبير منه إلى عدم توافر الإرادة اللازمة لدى غالبية القوى المنخرطة في هذه الصراعات، والتي تعتقد أن هناك جولات أخرى مقبلة، وما حدث من تطورات لم يكن كافيا لتحقيق الأهداف، التي فتحت الباب للدخول، أو رسمت الخريطة لنزول هذا الملعب (الأزمة) أو ذك، خاصة أن ثمة قوى، تحولت إلى قاسم مشترك في معظم الأزمات السابقة، قد تزداد أدوارها وتطلعاتها، أو تتراجع في صراع دون آخر، لكن في المحصلة أن الأطراف الأساسية متشابهة.

عدم اكتمال البيئة اللازمة للتسوية، أو ما يعرف بنضج واستواء الثمرة السياسية، كفيل بتفكيك أية بوادر للتسوية، وتتصاعد أهمية هذه النقطة، وسط التكافؤ النسبي في الأدوار، والتقارب في طبيعة الأوراق التي تستحوذ عليها قوى مؤثرة، وتحكم كل طرف في مفاصل موجعة لأطراف أخرى، وهذه المعادلة كفيلة بردع أي تهور قد يقدم عليه أحد اللاعبين المباشرين وغير المباشرين.

فخطوة واحدة من قطع الشطرنح الحالية، دون حساب النقلة التالية لها، يمكن أن يكون مكلفا بصورة باهظة، للدرجة التي ربما يخسر صاحبها الدور كله، وتضيع عليه جهود سنوات كانت مضنية، عمل خلالها بموجب توازنات دقيقة، حتى يحافظ على وجود قطعه المختلفة على الرقعة الواسعة.

أشد ما يخشاه كثيرون الآن، أن ينسجم اللاعبون مع قطع الشطرنج، ويدمنوا نقلاتها الشيقة، ويصمدوا فترة طويلة، أملا في تغيير قواعد اللعبة القديمة، بالتالي يمر الوقت دون أن تجري تسوية عادلة لكل هذه الأزمات، وحتى يحدث ذلك تتواصل عملية نقل وتبديل القطع، إلى أن نصل إلى محو المعالم الرئيسية التي بدأت بها اللعبة الإقليمية والدولية، ويصبح لدينا أكثر من فلسطين عربية.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
المزيد

 
>>