First Published: 2016-10-06

'فتح' من الحرية إلى القمع

 

قيل الكثير من النقد في شخصية ياسر عرفات، غير أن ذلك النقد لم يجرؤ على الوصول إلى توجيه تهمة القبول بالعدو صديقا إليه. اليوم بعد جنازة بيريز سيكون الكلام مختلفا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

انتهى النضال الفلسطيني بطريقة لا يُحسد عليها الفلسطينيون.

يوما ما كانت القضية الفلسطينية عنوانا للمصير العربي. منذ التوقيع على اتفاقية أوسلو حل حلم قيام دولة المؤسسات محل الكوفية التي صارت بسبب صورة ياسر عرفات شعارا عالميا لنضال الشعوب من أجل نيل حريتها.

عراب أوسلو من الجانب الفلسطيني هو الآن رئيس في الأراضي الفلسطينية التي لا يزال وضعها القانوني ملتبسا.

أبو مازن أو محمود عباس هو في الوقت نفسه زعيم حركة فتح.

تاريخيا فإن فتح لا تشكل جناحا من أجنحة الثورة الفلسطينية، بل هي الثورة الفلسطينية. يوم تأسيسها هو اليوم الذي فُتحت فيه صفحة جديدة من صفحات التاريخ الفلسطيني.

كانت فتح أكبر الفصائل الفلسطينية المقاتلة على الأرض وهي التي سعت إلى صنع المعادلة الفلسطينية التي لولا وجودها لخنق العرب الفلسطينيين قبل أن يقوم الإسرائيليون بذلك. كان عرفات ماهرا في القفز بين الحبال واكتشاف الألغام. فكان زعيما حقيقيا، بدهائه وذكائه ومكره وإخلاصه لقضيته وتمرده الناعم وقيادته لخصومه وقبوله بالخسائر من غير التسليم بالهزيمة وهو ما دفعه إلى أن يرى وحده الضوء في نهاية النفق.

لم يُعذب زعيم عربي نفسيا مثلما عُذب ياسر عرفات.

غير أن ياسر عرفات ترك بعد موته إرثا ثقيلا يتمثل في فتح. الحركة التي أسسها وكانت يوما ما رائدة العمل الفدائي في الداخل الفلسطيني والدفاع عن حق الفلسطينيين في الحياة في أماكن لجوئهم.

مشروع الدولة الذي أقامه عرفات بعد أوسلو استند بشكل أساس على كوادر فتح، وهو ما انتقل بالحركة من النضال من أجل الحرية إلى النضال من أجل السوق في ظل خفض السقف الذي مارسته إسرائيل في مواجهة التزاماتها من أجل قيام دولة مؤسسات فلسطينية.

لم تقم دولة المؤسسات في الاراضي الفلسطينية. بدلا منها أقيمت دولة الشبكات الملغومة بمختلف أنواع الأعمال المشروعة وغير المشروعة. وهي شبكات مزجت الشخصي بالعام واستغلت مواقع النفوذ التي جهزتها السلطة الفلسطينية من أجل إضفاء نوع من الشرعية على نشاطها.

بقدرة المال تحولت فتح إلى وسيط تجاري. وهو ما لا يعفي أبا مازن من المسؤولية عن ذلك الانحدار، بل يؤكدها. فبقدر ما يتعلق الامر بالرجل فإن كل شيء ينبغي أن يتم اختباره بمعايير السوق.

من هذا المنطلق يمكن فهم ما قامت به حركة فتح من قمع علني للمعترضين على مشاركة الرئيس الفلسطيني في جنازة شمعون بيريس. وهو ما يدعو إلى الأسى وما يضعنا وجها لوجه في مواجهة واحدة من النهايات الحزينة التي انتهى إليها العالم العربي.

لقد اختلف الكثير من الفلسطينيين مع نهج حركة فتح، وكان ذلك الاختلاف سببا في ظهور التنظيمات المقاومة الرديفة لها، غير أن أحدا من المعترضين على نهجها لم يشكك يوما في وطنيتها.

قيل الكثير من النقد في شخصية ياسر عرفات، غير أن ذلك النقد لم يجرؤ على الوصول إلى توجيه تهمة القبول بالعدو صديقا إليه.

اليوم بعد جنازة بيريز سيكون الكلام مختلفا.

ليست حركة حماس أفضل حالا من حركة فتح ولكن الانتفاضة التي شهدتها غزة وأدت إلى خروج القطاع عن سيطرة حكومة رام الله كانت رد فعل طبيعيا على فساد زعماء فتح الذين تحولوا إلى سماسرة، يقايضون كل شيء بما يقبضون من المال.

إسرائيليا لم يكن المطلوب أن تمارس حركة فتح القمع في حق المناهضين لمشاركة الرئيس الفلسطيني في جنازة بيريز. يمكن للإسرائيليين أن يعبروا عن رأيهم المناهض للحكومة من غير أن يتعرضوا للقمع.

غير أن خادم الشيطان يعجز أن يكون شيطانا.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أمام برج ترامب
2017-10-22
خبراء ولكنهم اسمعونا ما نحب سماعه
2017-10-21
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
المزيد

 
>>