First Published: 2016-10-07

الاردن والغاز الإسرائيلي... من لديه افضل؟

 

يرحّب الأردن بمن يستطيع إيجاد بديل من الغاز الإسرائيلي بسعر منافس لهذا الغاز. لغة الأرقام لا تخطئ. لغة الأرقام لا علاقة لها بالمزايدات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

صنع بعض المعارضين في الأردن قضية من صفقة شراء المملكة الغاز من إسرائيل. اطلقوا شعارات طنانة تكشف حالا من غياب النضج السياسي واعتصموا في عمان. لم يطرح هؤلاء سؤالا واحدا في غاية البساطة: لماذا صفقة الغاز مع إسرائيل وما البديل من الصفقة؟ هل هناك من هو مستعد لبيع الأردن، الذي يعاني من ازمة اقتصادية حقيقية، الغاز بشروط افضل؟

في كلّ الأحوال، لا حاجة الى مزايدات ومزايدين في الأردن حيث هناك استعداد للعودة عن الاتفاق في شأن الغاز مع اسرائيل في حال توفّر غدا من يستطيع تقديم البديل. الكلام سهل واطلاق الشعارات اسهل، فيما التظاهر يمكن ان يكون مفيدا لكشف امر واحد. هذا الامر هو ان هناك، في القرن الواحد والعشرين، بين المواطنين العرب في الأردن وغير الاردن من يعيش في عالم آخر، اقرب الى ان يكون عالما وهميا.

لعلّ أسوأ ما في التعاطي مع كلّ ما له علاقة بالأردن من قريب او بعيد تجاهل ان المملكة استطاعت دائما الدفاع عن نفسها في وجه أولئك الذين زايدوا عليها بالوطنية. لا يحتاج الأردن الى دروس في الوطنية من احد، خصوصا من أولئك الذين لا يعرفون شيئا لا عن الغاز ولا غير عن الغاز، إضافة انّ لا علاقة لهم بلغة الارقام. الأردن يعطي دروسا في هذه المادة، مادة الوطنية، خصوصا انهّ تحمّل وما زال يتحمّل أعباء تفوق طاقته.

هناك اتفاق سلام وقّع في العام 1994 بين الأردن وإسرائيل. بعد توقيع هذا الاتفاق الذي أعاد للاردن حقوقه في الأرض والمياه ورسم حدود الدولة الفلسطينية التي قد ترى النور يوما، ما الذي يمنع الأردن من شراء الغاز من إسرائيل في حال وجد ان السعر مناسب له؟ اكثر من ذلك، هل تنقص الغاز الإسرائيلي جهات على استعداد لشرائه؟

اعتمد الأردن في الماضي على تسهيلات في المجال النفطي حصل عليها من العراق في ايّام صدّام حسين. هذه التسهيلات لم تعد موجودة. استورد الغاز من مصر بعد تحويل معامل الطاقة فيه كي تعمل بهذا النوع من الوقود. اكتشف مع الوقت ان مصر لم تعد قادرة على تلبية حاجاته. تعرّض خط الغاز المصري في سيناء الى ما يزيد على عشرين عملية تفجير كبدت الأردن خسائر بقيمة أربعة مليارات دولار منذ العام 2011.

قبل ذلك، وفي عهد محمد مرسي، حين كان الاخوان المسلمون في السلطة، استخدم الغاز لابتزاز الأردن. كان هذا الغاز يتوقف بين حين وآخر من الضغط على الأردن وخلق اضطرابات داخلية فيه. هل من يتذكّر ذلك؟ هل من يتذكّر محاولات الاخوان المسلمين الإساءة الى الأردن وايذائه بهدف فرض نفسهم قوّة سياسية مهيمنة في المملكة؟

ليست هناك اطراف عربية او غير عربية على استعداد في هذه المرحلة لمساعدة الأردن في مجال الغاز خصوصا والطاقة عموما. ما هي اذا خيارات الأردن؟ هل مطلوب منه الانتحار سياسيا واقتصاديا لاظهار معاداته لإسرائيل التي لا فارق لديها اذا اشترى الاردن نفطها ام لم يشتره؟ اذا استطاعت المملكة الهاشمية توفير ستمئة مليون دولار في السنة اين المشكلة في ذلك في وقت تواجه موازنتها عجزا كبيرا في ضوء العبء الذي يشكله وجود مليون ونصف مليون لاجئ سوري في داخل أراضيها؟

مضحك ذلك الذي يتظاهر ضد اتفاق الغاز مع إسرائيل، لا لشيء لأن تحمل المسؤولية الوطنية شيء وخدمة إسرائيل عن طريق المزايدة على الأردن شيء آخر.

لم يخطئ الأردن يوما في حقّ احد وذلك منذ تأسيس المملكة. على العكس من ذلك، اخطأ كثيرون في حقّ الأردن. لا حاجة الى العودة الى المزايدات العربية التي جعلت الأردن يخسر الضفة الغربية والقدس الشرقية في العام 1967، علما ان الملك حسين كان يعرف ان الحرب، التي جرّه اليها جمال عبدالناصر جرّا، بسبب غبائه السياسي وسقوطه ضحية الشعارات الفارغة التي رفعها، حرب خاسرة سلفا.

دافع الأردن عن القضية الفلسطينية، وما زال يدافع عنها وعن القدس، كما لم يدافع احد غيره. رسم حدود الدولة الفلسطينية عندما اعلن الملك حسين قرار فكّ الارتباط بين الضفتين صيف العام 1988. قبل ذلك، في العام 1970، أعاد الأردن المنظمات الفلسطينية المسلّحة الى جادة الصواب بعدما وُجد من يعلن ان طريق القدس يمرّ في عمّان. قضى على مشروع "الوطن البديل" الاسرائيلي باكرا قبل ان يقضي هذا المشروع على الفلسطينيين وقضيّتهم. لم يوقع الأردن اتفاق سلام مع إسرائيل، الّا بعدما وقعت منظمة التحرير الفلسطينية اتفاق أوسلو بحسناته وسيئاته وذلك من خلف ظهر الملك حسين.

تكمن اهمّية الأردن في انّه يتابع مسيرته على الرغم من كلّ الصعوبات. لا يتوقّف الملك عبدالله الثاني منذ صعوده الى العرش عند ما يطلقه أولئك الذين لا يعرفون شيئا في السياسة والاقتصاد ومصلحة الأردن والاردنيين. لو كان لبنان استطاع استغلال ثروته النفطية، هل كان الأردن لجأ الى إسرائيل؟ لن يتمكن لبنان من استغلال هذه الثروة نظرا الى وجود مزايدات ومزايدين وسياسيين يمتلكون عقلا عقيما في هذا البلد الصغير. ما الذي يفعله الأردن؟ هل ينتظر الغاز اللبناني... او الغاز السوري الموجود بكثرة والذي لا ينتظر خروجه من باطن الارض سوى انتهاء حرب المئة سنة الدائرة في هذا البلد!

مثلما لم يتردد الأردن في اجراء انتخابات عامة في الموعد المحدّد لها، مجددا مجلسه النيابي، لن يتردد في حماية مصالحه على كلّ صعيد وفي ايّ مجال. فعبدالله الثاني مسؤول عن شعب وعن دولة وعن مليون ونصف مليون لاجئ سوري. انّه مسؤول عن بلد بكامله، وهو مسؤول في هذا الاطار عن إيجاد مصادر الطاقة للمملكة التي تعدّ نفسها لمزيد من الاعتماد على الطاقة الشمسية وغيرها من الخيارات في المستقبل. ولكن بين الوضع الراهن وبين الوصول الى مرحلة يمكن فيها الاستغناء عن الغاز كلّيا، هناك سنوات وسنوات.

مرّة أخرى، يرحّب الأردن بمن يستطيع إيجاد بديل من الغاز الإسرائيلي بسعر منافس لهذا الغاز. لغة الأرقام لا تخطئ. من يخطئ هم أولئك الذين لم يدركوا يوما ان الأردن في سعي دائم الى خفض عجز الموازنة. الأكيد ان تظاهرة من هنا وأخرى من هناك لا تخفض هذا العجز. ما يخفضه هو التخلص من عقد الماضي والتعاطي مع الواقع كما هو وليس مع أوهام لم تجلب على الدول العربية سوى الكوارث بكلّ انواعها.

صمد الأردن في وجه عواصف كثيرة. اثبت المرّة تلو الأخرى انّه دولة حقيقية تمتلك مؤسسات راسخة ذات تاريخ عريق وأفكار "الثورة العربية الكبرى" التي صار عمرها مئة عام.

في الأردن، هناك ملك يقود الشارع ولا ينقاد من الشارع. هذا كلّ ما في الامر لا اكثر ولا اقلّ وباختصار شديد.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
صواريخ إيرانية... لاستهلاك الداخلي
2017-05-28
'المدارس العتيقة' المرتبطة بالمستقبل
2017-05-26
قمم الرياض... انقلاب
2017-05-24
لم يكن امام الايرانيين سوى الرهان على فاشل
2017-05-22
قمم الرياض... والتصالح مع الواقع
2017-05-21
قمّة تمهّد لثلاث قمم...
2017-05-18
لا شيء يحدث بالصدفة منذ تسليم الجولان
2017-05-17
إضاعة الفرص.... هواية وطنية لبنانية
2017-05-15
لا فارق اذا رحل ترامب... او بقي
2017-05-14
الوحدة اليمنية ضرورية... ولكن!
2017-05-12
المزيد

 
>>