First Published: 2016-10-08

درس بطولي في السلام

 

العالم اليوم في أمس الحاجة إلى صناع سلام. السلام الصعب الذي ينهي الحروب الميسرة التي صارت الشعوب حطبها. انظروا تجربة الرئيس الكولومبي سانتوس.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

الرئيس الكولومبي خوان مانويل سانتوس صنع سلاما رفضه شعبه فاستحق جائزة نوبل للسلام. لقد أنهى حربا مستمرة منذ 52 سنة كان الشيوعيون المتمردون طرفها الثاني.

وكما هو واضح فإن الرئيس الكولومبي قد جازف بمستقبله السياسي حين القى بخطوته الجريئة مادا يده بالسلام لمَن يمكن أن يعتبروا في أماكن أخرى مجرد عصابات إرهابية مسلحة.

ومن المؤكد أن الرفض الشعبي جاء على خلفية ذلك التصنيف الجائر.

ما فعله سانتوس ينسجم مع التفكير النظري الذي يفترض أن العنف لا يعالج بالعنف والجريمة لا توقف الجريمة. وهو تفكير يعيد للمجتمع قدرته على معالجة مشكلاته انطلاقا من تفهم حاجات أبنائه المختلفين.

المجتمع الذي رفض مبادرة سانتوس يحتاج الى شيء من الوقت لكي يتفهم معنى السلام. معنى أن لا تكون هناك حرب. معنى ان لا يكون التعبير عن الخصومة عن طريق السلاح. وهو ما يمهد للعودة إلى القانون، باعتباره رمزا للعدالة التي لا تستثني أحدا من هباتها.

استحق الرجل جائزة نوبل من أجل سلام أهلي، لم تفهمه فئات من الشعب، لم يسبق لها أن تعرفت على الفكرة العظيمة التي ينطوي عليها معنى أن يكون هناك سلام. لقد تربت أجيال متلاحقة على القبول بمعادلة الحرب حلا لخصومة لا يشرف استمرارها أحد.

لقد دفعت البلاد ثمن تلك الخصومة.

سجلُ كولومبيا حافل بكل ما له علاقة بالإساءة إلى حقوق الإنسان. الكثير من صفحات ذلك السجل لطخته الحرب على المتمردين بحلولها السوداء. كان هناك دائما تاريخ دموي يقف إلى التاريخ الرسمي. وهو ما استطاعت دول القارة الجنوبية أن تتخلص من عاره.

كولومبيا هي آخر تلك الدول.

ما فعله سانتوس أنه قرر في لحظة صلح داخلي أن يوقف التاريخ السيء لبلاده. ولأنه ليس من اليسير أن تنهي حربا من غير خسائر فإن الأجيال التي انساقت وراء هذيان الأعلام الرسمي لم كن في إمكانها القبول بتلك الخسائر، كما لو أن هزيمتها هي ثمن ذلك السلام.

وكما أرى فإن شجاعة الرئيس الكولومبي تكمن في أنه لم ينجر وراء ذلك الهذيان، الذي يعرف من خلال موقعه أنه ينطوي على الكثير من تزييف الحقائق والارتجال الإنشائي والكذب والتهويل.

ما لا يعرفه الكثيرون عن حقيقة تلك الحرب يعرفه الرئيس وكان صادقا وايجابيا في تفاعله مع تلك المعرفة. فالشيوعيون المتمردون هم أيضا أبناء البلد. وإذا ما كانوا قد قاتلوا الحكومات المتعاقبة فإنهم لم يخونوا وطنهم ولم

يستدعوا الأجانب لمشاركتهم في القتال كما يحدث في انحاء عديدة من العالم العربي. لذلك يحق لهم أن يكونوا جزءا من الحل المشرف.

ما راهن عليه الرئيس الحاصل على جائزة نوبل للسلام يؤكد أن السلام أصعب من الحرب. الفكرة التي صدمت الكثير من قطاعات المجتمع الكولومبي. ذلك لأن السلام بالطريقة التي توصل إليها سانتوس وضعت حدا لكل ما كان يُشاع من أقاويل مغرضة عن الأخوة، حملة السلاح، خونة الشعب المتمردين.

وكما يبدو لي فإن جائزة نوبل قد أصابت هذه المرة هدفها الذي أخطأته في العديد من المرات السابقة. لقد وضعت السلام الذي رفضه الشعب نصب عينيها حين نظرت بتقدير إلى ذلك المغامر الذي صنعه.

قد يكون سانتوس نموذجا لا يتكرر من جهة تضحيته بشعبيته ايمانا منه بالسلام الأهلي. غير أن حصوله على هذا التقدير العالمي المهيب سيؤدي بالضرورة إلى قلب المعادلة لصالحه.

العالم اليوم في أمس الحاجة إلى صناع سلام. السلام الصعب الذي ينهي الحروب الميسرة التي صارت الشعوب حطبها.

سانتوس كان بطلا، غير أن جائزة نوبل للسلام اكتسبت من خلاله هالة بطولة، كانت قد فقدتها منذ زمن طويل.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الانتحار الكردي بعد التمرد السني المغدور
2017-09-24
أن تنصت قطر لأحلام شعبها
2017-09-23
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
المزيد

 
>>