First Published: 2016-10-09

العراق الطائفي بين لصوصه ومثقفيه

 

ما لا يمكن فهمه هو كيف انحدر الشيوعيون واليساريون والحداثيون والتقدميون من العراقيين إلى حضيض اللغة الطائفية؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هل أُخذ العراقيون بعد احتلال بلادهم وسقوط عاصمتها على حين غرة كما يُقال؟ يبدو السؤال متأخرا. لقد سالت أنهار من الدماء، لا من أجل تحرير البلاد ولا من أجل الدفاع عن الدولة التي اجتهد الأجداد في بنائها، بل من أجل لا شيء. ذلك اللاشيء كان اسمه الطائفية.

فهل كان العراقيون طائفيين من غير أن يشعروا وحين حلت نكبة الاحتلال بهم كشطت القشرة الخارجية عنهم فظهروا على حقيقتهم؟

ينكر الجميع طائفيتهم. هم يعرفون أن اعلان المرء عن طائفية يجلب العار عليه مثلما تفعل العنصرية في العالم المتحضر بصاحبها تماما. ولكن ما جرى في العراق يكشف عن أن الطائفية كبرت مثل كرة الثلج، فلم ينج من آثارها أحد، إلا في ما ندر.

لقد نجح حزبيو الطوائف في جر المجتمع إلى الملعب الروماني، فصار المرء أمام خيارين لا ثالث له. أما أن يكون قاتلا أو قتيلا. فجأة اكتشف العراقيون أنهم أهدروا وقتهم العزيز في التراضي الاجتماعي والتسامح الديني من غير أن يهتدوا إلى حقيقة أن عدوهم يقيم بينهم. وهو ما زاد من طمع اللصوص المحترفين في أموالهم التي صارت سائبة بعد سقوط الدولة.

لقد أوهم حزبيو الشيعة أبناء طائفتهم الذين استبدلوا بدلات الجيش الشعبي بالثياب الحسينية السوداء أن دولة الشيعة في طريقها إلى القيام بدلا من تلك الدولة السنية التي سقطت بفعل الغزو الاميركي.

المضحك في الامر إن السنة صدقوا ذلك الوهم، فصار نضالهم من أجل استعادة حقوقهم المدنية تعبيرا عن حنينهم إلى تلك الدولة التي لم يكن لها وجود أصلا.

وإذا ما كان الوهم الشيعي قد صنعه حزب الدعوة وما شابهه من الأحزاب الشيعية المستفيدة من غياب الرقابة على المال العام فإن الوهم السني صنعه دهاة السنة من الذين تخرجوا من مدرسة جماعة الاخوان المسلمين.

كل هذا مفهوم. ما لا يمكن فهمه هو كيف انحدر الشيوعيون واليساريون والحداثيون والتقدميون من العراقيين إلى حضيض اللغة الطائفية؟

ينكر العديدون اليوم سلوكهم الطائفي المبطن. غير أن ذلك السلوك هو وليس سواه ما مكن الطائفيين من وضع المجتمع في الزاوية الميتة.

لو كانت هناك نخب عراقية حقيقية في انتمائها إلى مفاهيم التقدم والحداثة لما تمكن الجهلة من الطائفيين من الانتقال بالمجتمع العراقي من مرحلة محو الامية إلى مرحلة تبجيل الأمية.

الأميون اليوم هم رموز الوجاهة وصناع القرار في المجتمع العراقي.

أن يلطم المسيحيون على الحسين، ذلك موقف يمكن تفهم أسبابه أما أن يكون للحزب الشيوعي موكب حسيني يشارك في المسيرات الجنائزية فذلك موقف هو قمة في النفاق والابتذال وخيانة المبادئ والسخرية من التاريخ.

لقد سخر العراقيون من أنفسهم قبل أن يسخر العالم منهم.

أهدروا كرامتهم قبل أن يتخلى العالم عن النظر بطريقة جادة إلى مآسيهم.

يندر أن تجد شعبا في التاريخ فعل بنفسه ما فعله العراقيون بأنفسهم. فهل كانوا صادقين في ما فعلوه عبر السنوات الماضية أم كانوا مجرد دمى رخيصة، تمكن حزبيو الطوائف الجهلة من تحريكها بيسر؟

في الحالين فإن خساراتهم كانت أكبر بكثير من أرباحهم.

خسروا العراق الذي كان يجمعهم. ذلك البلد العظيم الذي حولوه إلى بضاعة رخيصة في مزاد عالمي، يدرك المشاركون فيه أن أصحاب تلك البضاعة لا يعرفون قيمتها. خيانة تلحق بها سخرية غير مسبوقة في التاريخ.

لم تكن الطائفية في العراق سوى لعبة سياسية، استطاع من خلالها اللصوص المحترفون أن يثروا في ظل الغياب القسري للدولة والهاء المجتمع بمفردات فلكلورية وطقوس متخلفة ألحقت بالدين طائفيا.

لا أحد يلوم اللصوص على ما فعلوه. اللوم كله يقع على تلك المجاميع الهائلة من أدعياء الثقافة التقدمية الحديثة الذين وقفوا في مقدمة المطبلين للاحتلال الطيب.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
متشددون في ضيافة الغرب
2017-03-28
الموصل مدينة مغدورة وشعب تائه
2017-03-27
من العزلة إلى التطرف. سيرة لاجئ
2017-03-26
لن يكون الفاسدون مصلحين
2017-03-25
لاجئ إلى الأبد
2017-03-23
أميركيون وإن صُنعوا في إيران
2017-03-22
الانحطاط لا يقبل القسمة
2017-03-21
ثورة الياسمين لا تزال حية
2017-03-20
حاجة إيران الى العرب
2017-03-19
رسالة إيران إلى العرب. لا سلام
2017-03-18
المزيد

 
>>