First Published: 2016-10-10

بشر منسيون ومدن يائسة

 

الجريمة التي تُرتكب في حلب اليوم ليست فضيحة لروسيا وحدها، بل وأيضا للولايات المتحدة ومن خلفها العالم الغربي كله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

"لا حل سياسي للحرب في سوريا" هذا ما يمكن أن يقوله المجتمع الدولي من غير أن يكون معنيا بتدهور الوضع الإنساني في حلب. الآن حلب وقبلها مدن أخرى سبقتها إلى اليأس ليست سوى نقطة على الخريطة.

ما اختلف عليه الاميركان والروس انما يتعلق بتفاصيل فنية. اما مصير البشر بكل مشاهده الملحمية فقد تُرك للإعلام. ولا يزال الناشطون في صفوف المعارضة السورية يعتقدون أن في إمكان الصور والأفلام التي يلتقطونها والتي تنقل مشاهد حية من الكارثة أن تقلب المعادلة.

شيء مما يراهن عليه أولئك الناشطون لن يقع طبعا. ذلك لان سادة صناعة الصور والأفلام هم مَن قرروا أن لا يستعينوا بحواسهم المباشرة من أجل اتخاذ القرار الذي من شأنه أن يوقف المجزرة.

كان الخيار السياسي ممكنا إلى وقت قريب. فالطرفان الراعيان للحرب، الولايات المتحدة وروسيا أوهما المجتمع الدولي بأنهما يسيران معا في اتجاه هدف واحد هو وضع نهاية لتلك الحرب التي لن يربحها أحد. فما الذي حدث لكي يتراجع ذلك الأمل؟

تعرف الولايات المتحدة وأصدقاؤها ممن انضموا إلى ما يسمى بمنظومة أصدقاء الشعب السوري نوع وطريقة تفكير وانتماء وأهداف الجماعات والفصائل المعارضة التي تقاتل على الأرض.

لم يكن محرجا بالنسبة للجميع أن تكون تلك الجماعات دينية الطابع والمحتوى ما دامت قادرة على الإمساك بالأرض وتهديد النظام. الامر الذي دفع الولايات المتحدة إلى ابداء نوع من المرونة من أجل الوصول إلى تسوية سلمية، تضمن لتلك الجماعات الوصول إلى ما يسمى بالمرحلة الانتقالية. وهي مرحلة يتخلى فيها النظام السوري عن جزء من سلطته لمعارضيه.

روسيا من جهتها أبدت هي الأخرى مرونة في القبول بذلك الحل، غير أن شرطها للوصول إلى المرحلة الانتقالية كان تعجيزيا بالنسبة للولايات المتحدة. إذ اشترط الروس أن لا يكون المعارضون المرشحون لقيادة الجزء الخاص بهم من السلطة إرهابيين.

ما لا تملك الولايات المتحدة القدرة على الدفاع عنه أنها صنفت في وقت سابق جبهة النصرة باعتبارها فصيلا مسلحا إرهابيا. لذلك فضلت أن تصمت في محاولة منها للبحث عما يمكن أن يشكل مخرجا لها من ذلك الحرج.

وكما يبدو فإن أصدقاء الشعب السوري من العرب والأتراك لم ينجدوا زعيمتهم بالحل الذي تتمكن من خلاله من الاستمرار في مفاوضات التسوية السلمية.

الروس من جانبهم اكتشفوا المأزق الأميركي فصعدوا من عملياتهم الحربية في حلب. في الوقت نفسه تقدم النظام بعرضه في أن يكون شرق حلب مفتوحا مقابل رحيل المقاتلين إلى الشمال. وهو العرض الذي تم تطبيقه في أماكن أخرى من سوريا في أوقات سابقة.

كلها تفاصيل فنية. لا يتعلق أي منها بالوضع البشري. كما لو أن حلب تخلو من الناس العاديين. النساء والأطفال والشيوخ والمرضى والعشاق والعاملون بأجر يومي والشباب الحالمون بالسفر والفتيات الحالمات بنضارتهن الدائمة. لم تعد حلب سوى جبهة النصرة.

روسيا تجد في القضاء على التنظيم الإرهابي مناسبة لفتح الجانب الشرقي من حلب فيما تسعى الولايات المتحدة إلى منع الروس من تحقيق هدفهم من غير أن تجرؤ على الإعلان عن وقوفها مع ذلك التنظيم.

لم تجد الولايات المتحدة بداً من تحريك الموقف الأوروبي مرة أخرى فجاء مشروع القرار الفرنسي في مجلس الأمن ليعبر عن محاولة يائسة لاستدراك الخطأ الذي فات أوان تصحيحه.

فالحرب في سوريا ما كان لها أن تستمر بذلك الزخم لولا دخول التنظيمات والجماعات الإرهابية على خط الازمة. وما كان لتلك التنظيمات أن تقوم بذلك لولا التسهيلات التي قدمتها جماعة أصدقاء الشعب السوري التي تتزعمها الولايات المتحدة.

لذلك فإن الجريمة التي تُرتكب في حلب اليوم ليست فضيحة لروسيا وحدها، بل وأيضا للولايات المتحدة ومن خلفها العالم الغربي كله.

حلب مثل كل المدن السورية التي سبقتها إلى اليأس هي ضحية موقف المجتمع الدولي الزائف من المصير البشري. ذلك المصير الذي لن يكون سوى بضاعة دعائية عابرة إذا ما تعلق الامر بالمصالح.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
عدوان مهزومان وهدف واحد
2017-01-21
عبد لكي قديس الثورة السورية المطعون
2017-01-19
أهلا ترامب
2017-01-18
طوارئ سياسية
2017-01-17
في الطريق إلى دمشق
2017-01-16
العالم العربي المحروم من السياسيين
2017-01-15
ما الذي ينتظر العراق؟
2017-01-14
حاجة الرياض إلى العالم العربي
2017-01-12
قبل أن يحل الظلام
2017-01-11
الحرب وخيانة التاريخ
2017-01-10
المزيد

 
>>