First Published: 2016-10-11

الثقة بتونس والخوف عليها

 

تونس تثق بنسائها وهنا بالضبط يكمن سر معجزتها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

تاريخيا لن تروى وقائع سنوات الربيع العربي إلا بدءا بحكاية الشاب محمد البوعزيزي من سيدي بو زيد.

لقد أشعل ذلك الشاب النار في جسده ومات من غير أن يعرف أن النار التي أحرقت جسده ستمتد لتحرق مدنا عربية عديدة.

لا أحد في إمكانه أن يشكك بالدوافع التي دفعت بذلك الشاب إلى أن يضرم النار في جسده. ليس هناك أي أثر لمؤامرة عالمية في تلك الواقعة. ولم يكن البوعزيزي نفسه ينوي الذهاب إلى الجنة على غرار انتحاريي التنظيمات الإرهابية.

لم تكن لدى ذلك البائع الجوال من الأسباب ما تجعله يضحي بنفسه من أجل أن يكون رمزا. من المؤكد أن ثقته بحقه في الحياة هي التي دفعته إلى الموت احتجاجا.

ثورة الياسمين التي شهدتها تونس عام 2011 هي محاولة لاستعادة المشهد الذي صنعه البوعزيزي بجرأة، لا من جهة رمزيته المفرطة في حلميتها، بل من أجل تداعياته الواقعية، وكان الشعار دائما تونسيا "إذا الشعب يوما أراد الحياة". الشابي الذي مات شابا كان حاضرا بقوة.

وإذا ما كانت تونس ليست كسواها من بلدان الربيع العربي، فإن التونسيين أنفسهم لا يثقون بخطواتهم التي ألقوها في طريق التغيير الديمقراطي. بالنسبة لهم هناك قدر هائل من الغموض في إمكانه أن يخرب مزاجهم المتفائل.

"نحن خائفون" يقولها لك الأكاديمي بالطريقة نفسها التي يقولها سائق سيارة الأجرة. هناك شيء من القلق. شيء من الحيرة. شيء من الألم.

ويحار المرء في مواجهة ذلك الشعور. فتونس التي تشعر بالقلق على مستقبلها ليست في حال سيئة مقارنة بسوريا واليمن وليبيا ولا حتى بمصر. على الأقل استطاعت تونس أن تهزم الإسلاميين من غير أن تستغيث بالعسكر ومن غير أن تضطرهم إلى حمل السلاح.

لقد وهبت تونس العالم العربي درسا في الديمقراطية لم يُفهم عربيا حتى هذه اللحظة. وقد لا يُفهم أبدا. حين حاول المتطرفون أن يقلبوا المعادلة الاجتماعية عن طريق الغزوات كان مصيرهم الفشل. لا لأن السلطة تصدت لهم بل لأن المجتمع كان أقوى منهم. وليس سرا أن قوة المجتمع تكمن في حقوق المرأة. وهو انجاز من شأنه أن يعيد الاعتبار بكل تقدير إلى الحبيب بورقيبة.

مثلما أحرق البوعزيزي نفسه من غير أن يكون على يقين من أن المستقبل سينصفه فإن نساء تونس لم يضعن الوقت حين قررن اسقاط حكومة جماعة النهضة، وهو ما أعاد ثورة الياسمين إلى ينبوعها الأساس. ما لا يعترف به الواقع الآن ستقره الظروف التاريخية. هذا البلد ينبغي أن تحكمه النساء. وهي حقيقة سيقاومها الرجال بقوة الإرث الاجتماعي الذي يمارسون من خلاله سلطتهم السياسية.

التونسيون لا يثقون بمستقبل بلادهم، ذلك لأنهم لا يثقون بحكم التقاليد الذكورية بسلطة المرأة. غير أن المرأة هي مستقبلهم.

بالنسبة للعرب فإن ثورة الياسمين لا تزال لغزا. ذلك لأنهم لم يفهموا دور المرأة في إحداث التغيير. فالثقة بتونس هي ثقة بالمرأة التونسية التي رفضت أن يتم التغيير على حسابها.

بالنسبة للثقافة العربية السائدة سيكون من الصعب فهم اسرار المعادلة التونسية. واقعيا فإن رجال تونس، في معظمهم، لا يزالون غير قادرين على احتواء ذلك اللغز. أن تكون المرة هي الحل وهو آخر ما يمكن للرجل أن يتخيل حدوثه.

ولكن المرأة في تونس كانت ولا تزال هي الحل.

لذلك لم تشهد تونس ما شهدته سواها من بلدان الربيع العربي من عنف مدمر. كانت تونس هادئة في تحولها. غامضة في ما تثق به من تحولاتها.

تونس تثق بنسائها وهنا بالضبط يكمن سر معجزتها.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
سلطة الأمر الواقع وخيارات اليأس
2017-04-30
آن لقطر أن تلتفت إلى وجودها
2017-04-26
بين الزرقاوي واركون
2017-04-25
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
المزيد

 
>>