First Published: 2016-10-13

كبوة المستشارة تهاني

 

الشخصيات العامة قدوة في الالتزام بما تفرضه الاعتبارات الأمنية على حركة الناس في المطارات او غيرها. ادعاء الاستثناء في غير محله.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

لا يختلف اثنان على الدور الوطني الذي قامت به المستشارة تهاني الجبالي، في أثناء حكم الإخوان، ولا أحد ينكر أنها واحدة من القامات القانونية المهمة، ولا يمكن التغافل عن دأبها في أن تكون بلادنا قوية، لمواجهة مؤامرات الداخل والخارج.

أعتقد أن كل من سمعها وشاهدها أو قرأ عنها، يعترف بذلك، لكن قضية رفضها خلع الحذاء في مطار القاهرة عند مغادرة مصر إلى لبنان مؤخرا، ثم إلغاء سفرها، كبوة شغلت قطاعا كبيرا من المصريين، لوزن وقيمة الجبالي، ولطبيعة التصرف، وما ينطوي عليه من دلالات سياسية وأمنية واقتصادية أيضا.

كان بإمكانها أن تلغي سفرها بلا ضجيج، أو تخضع للإجراءات التي بدأت المطارات المصرية تطبيقها، على غرار كثير من المطارات العالمية، لكن ما قامت به ربما وضعها في دائرة الأضواء بصورة سلبية، فقد تركت مداخلاتها ولقاءاتها التليفزيونية انطباعات سيئة، بعد أن احتفظ لها قطاع كبير من المواطنين بقدر كبير من الاحترام والتبجيل.

المثير أنها صممت على الدفاع عن موقف خاطئ، ولم تجد من يؤيدها، وظهرت كأنها تريد أن تستمر الريشة التي توضع على رأس أصحاب الحظوة والحصانات، وتسير عكس الاتجاه الظاهر الذي يسعى لتحقيق دولة العدالة والمساواة، ومن خلال متابعتي للحوارات التي جرت حول وعن الأزمة التي أثارتها، وفي رواية أخرى افتعلتها، سيادة المستشارة تهاني، يمكن التوقف عند خمسة أبعاد، قد تكون تاهت أو غابت تفاصيلها وسط الصخب والضوضاء والمغالطات التي تناثرت من هنا وهناك.

الأول، إصرار المستشارة على أن لديها، ولدى قضاة المحكمة الدستورية حصانة، لطبيعة المنصب الذي شغلته، أي نائب رئيس المحكمة الدستورية، ولن أتحدث عن الظروف التي التحقت فيها بهذه المحكمة العريقة، وما يهمني هنا توضيح، أن زملاء لها خضعوا لهذا الإجراء، لأن الحصانة جرى وضعها للحماية، وتبدأ عملها بالأساس خارج حدود البلاد في هذه الحالة، وهذا أمر متفق عليه بين الدول، ومرتبطة بالمنصب، وتسقط مع زواله، ولأن المستشارة أصبحت على المعاش الآن، فهي فقدت حصانتها، إذا افترضنا أنها تجيز لها مخالفة التعليمات.

الثاني، الدروس الفضفاضة التي حاولت تقديمها لجموع المشاهدين، حول الوطنية والكرامة والسيادة والاحترام ووقف الاختراق وما إلى ذلك من كلمات تدغدغ المشاعر، وكأنها احتكرت الوطنية في مصر، ومن وافقوا وأقروا التعليمات الأمنية التي تفرض ضرورة خلع الحذاء، وكل من خضعوا لذلك ورفضوا خطابها، يقفون في الجانب المناهض، فقد حصرت صك الوطنية في شخصها الكريم فقط، وحجبته عن الجميع، من أعلى قمة في مصر إلى أدناها.

قليل من التواضع يصلح الأمور، كما يقولون، فلا أحد في السلطة أو خارجها، غني أو فقير، يجرؤ على احتكار حب الوطن، وإذا كانت المستشارة أجهدت نفسها كثيرا طوال السنوات الماضية، للمساهمة في أن تكون مصر عفية ودولة قانون، فهي نسفتها بدورها بموقف واحد، كشف عمق التناقضات بين ما تقوله النخبة الثقافية والسياسية، وبين أفعالها وتصرفاتها، وهذه نقطة تعتبر واحدة من المآسي التي نعيشها في مصر، والتي أفقدت الثقة في النخبة بأطيافها المختلفة، وجعلتها تظل لفترة طويلة على الهامش.

الثالث، التطورات الإقليمية والدولية، وما يموج به العالم من فوبيا الإرهاب، فرضت على دول كثيرة اتخاذ حزمة من الإجراءات الاستثنائية، لمواجهة هذا الغول، الذي لم يعد يفرق بين دولة كبيرة أو صغيرة، قوية أو ضعيفة، داخل المطارات أو خارجها، فالكل في مواجهة الإرهاب سواء. وبالتالي كان حري بالمستشارة أن تكون على علم بالمطالب التي تفرضها حالة الهلع الدولي، وقد تكون هناك مبالغات، أو تسييس في المسألة من قبل البعض، لكن في النهاية العالم أصبح مفتوحا، وأي هفوة أمنية، قد تفضي إلى نتائج سياسية واقتصادية خطيرة، ولنا في تداعيات سقوط الطائرة الروسية نهاية أكتوبر الماضي فوق صحراء سيناء عبرة.

الرابع، أزمة السياحة التي تعيشها مصر، وتأثيراتها الاقتصادية، فرضت طقوسها. فنحن أمام اختيار بين تشديد الإجراءات الأمنية لأقصى درجة، وبين الاستغراق في الحديث عن منح أصحاب اللياقات البيضاء استثناءات، تنسف الخطاب الرسمي، لذلك اختارت الحكومة الطريق الأول، وهي تدرك عواقب الرفض، هل تعلم سيادة المستشارة عدد لجان التفتيش التي زارت المطارات المصرية للاطمئنان على صرامة الإجراءات الأمنية؟ وهل تدرك أن هذه الصرامة، بلغت مراجعة كاميرات المراقبة بالمطارات ورصد حركة دخول الركاب، ومن خلع حذائه ومن عبر دون المرور على البوابات الالكترونية؟

أعتقد أنها سمعت وعرفت أن لجان تفتيش عدة من الصديقة روسيا زارت المطارات الرئيسية في مصر، من أجل الموافقة على دراسة عودة تدفق السياحة الروسية، وتم قبول ما اعتبرته المستشارة "مساسا" بالكرامة، أملا في الحفاظ على سمعة الوطن، ووقف نزيف التدهور الاقتصادي، خاصة أن هذا منهج عالمي، يصعب الفكاك منه.

الخامس، يتعلق بشركات الأمن الخاصة، التي وصفتها السيدة الجبالي بأنها تعمل في المطارات المصرية، ومتعددة الجنسيات، وهذه واحدة من المغالطات الكبرى، لسببين، أحدهما لا توجد شركات أمن خاصة داخل الدائرة الجمركية أو بعيدا عنها، والمسئولية كاملة تقع على عاتق رجال الأجهزة الأمنية المصرية، ويقتصر دور لجان التفتيش الخارجية على مراجعة كاميرات المراقبة في أوقات مختلفة، ولا دخل مباشر أو غير مباشر لها في الإجراءات الأمنية اليومية.

والسبب الآخر، جميع شركات الأمن الخاصة العاملة في مصر، خاضعة لرقابة من أجهزة الأمن الرسمية، ومن يحصلون على ترخيص بالمزاولة، لا بد أن تتوافر فيهم شروط معينة، ومحل ثقة من الدولة، يعني فكرة تدويل الشركات الخاصة، واستجلاب للذهن فرق المرتزقة المعروفة، خطيئة تمس هيبة وكرامة دولة دفعت ثمنا غاليا للحفاظ على أمنها ووحدتها، كما أنه تسطيح، يحمل صفة التشكيك في القيادة الوطنية التي تدير البلاد، ووضعت رأسها على كفها في ثورة 30 يونيو.

أحيانا الرغبة في الظهور الإعلامي، تؤدي إلى البحث عن معارك خشبية، حتى يسمع الآخرون صوتها، ويتصوروا أن هناك معركة حقيقية، هذه الرغبة تصاحب كل من تغيب عنهم الشمس، وهؤلاء كثروا في الآونة الأخيرة، لذلك لم أعد أتعجب من أي شخص يمتطي جواد المزايدة بحثا عن الأضواء.. وعذرا سيادة المستشارة الجليلة، فأنت شخصية عامة، وتطرقت لقضية تهم جموع المصريين.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
روشتة للإصلاح الاقتصادي والحكومة في مصر
2017-05-11
هل تستطيع حماس خداع العالم؟
2017-05-04
مفارقة الإعلام والدبلوماسية في مصر
2017-04-27
احذروا جبهة إسرائيل
2017-04-20
قفزة حماس الجديدة
2017-04-06
المزيد

 
>>