First Published: 2016-10-13

المعلن والمضمر في قانون جاستا الأميركي

 

الولايات المتحدة تتفوق على نفسها في ممارسة الابتزاز السياسي باسم القانون إلى ما خارج حدودها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: د. خليل حسين

من الطبيعي أن تنشئ أية دولة بيئة قانونية لحماية رعاياها على أراضيها، لكن من غير الطبيعي، أن تنشئ هذه البيئة لمحاكمة دول وأشخاص خارج نطاقها الإقليمي، لاسيما وأن من المبادئ القانونية الراسخة والمتعارف عليها في جميع الأنظمة القانونية في العالم، إقليمية القضاء وصلاحية المحاكم الداخلية في النطاق الإقليمي للدولة، وعدم امتداد هذه الصلاحية إلى خارج حدودها، إلا في أطر محددة وضيقة جدا، وهي تتبع ما يسمى بالقانون الدولي الخاص، الذي يرعى قواعد القانون الخاص للأشخاص وامتداداته خارج الأطر الإقليمية.

وإذا كانت القواعد القانونية الخاصة، تسلك مسارا محددا وواضحا في هذه الشؤون، فان قواعد القانون الدولي العام ومبادئ الشرعية الدولية التي تأسست عليها بالأصل الأمم المتحدة وميثاقها، الذي بات من ثوابت التعامل في العلاقات الدولية، قد حددت جميعها ويشكل واضح، حق المساواة بين الدول واحترام سياداتها الخاصة تحت أي ظرف من الظروف، بل باتت السيادة إحدى المقدّسات السياسية التي تتمسك بها الدول، باعتبارها مظهرا من مظاهر كيان الدولة. وهذا ما نصت عليه بشكل واضح السابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة.

واليوم وفي سابقة لا مثيل لها بين الدول، مشت الولايات المتحدة ممثلة بمجلسي النواب والشيوخ بقانون يخالف كل هذه الشرائع الدولية، وبكلام حق يراد به باطل، سنّت القانون لحماية رعاياها كما تدعي من الإعمال الإرهابية، وبشكل محدد استنادا إلى ما جرى في 11 أيلول/سبتمبر 2001، ما يعني إذا ما تم تطبيقه، ستصبح كل دول العالم وأشخاصها ومسؤوليها تحت رحمة القوانين الأميركية، ما يعني نقل السيادة القضائية الأميركية في حدود صلاحياتها وأطرها التنفيذية على أي بقعة في العالم. ماذا يعني ذلك؟

في المبدأ ثمة تجاوز بل اعتداء واضح على المبادئ القانونية الدولية، التي ترسخت بفعل الاتفاقيات الدولية الشارعة، أي وجوب التزام الدول بها، حتى في قوانينها الخاصة، وبالتالي عدم قدرة أي دولة التفلت منها. كما يعني هذا القانون الاعتداء أيضا على ميثاق الأمم المتحدة الذي أقر وفصل بشكل واضح وجوب احترام سيادات الدول، وعدم المس بها، بل اعتبر وفقا للمادة 52، وجوب مواجهة العدوان أو أي اعتداء غير مبرر من وجهة القانون الدولي، ما يعني مخالفة قانون جستا، للبيئة الشرعية الدولية، وهي أعلى مقاييس التعامل في العلاقات الدولية.

جانب آخر لهذا القانون، وهو تجاوزه عمليا لمندرجات القرار 1373 الصادر عن مجلس الأمن بعيد أحداث 11 أيلول، والذي اوجد الأطر القانونية الملزمة لتعاون الدول في مجال مكافحة الإرهاب، إذ بات هذا القرار تحديدا، بمثابة العامود الفقري، والمرجع الأساس لتعامل الدول مع قضايا الإرهاب الدولي وآثاره، لدرجة انه وُصِفَ بأنه جعل حكومات دول العالم أجمع، بمثابة ضابطة عدلية لدى مجلس الأمن، ومن يتحكم بمساراته وسياساته، والمقصود هنا الولايات المتحدة الأميركية تحديدا، وهنا أليس من الطبيعي إثارة الأسئلة حول خلفيات القانون المضمرة؟

وإذا كان المقصود بهذا القانون تحديدا المملكة العربية السعودية، فان أثاره ستمتد على كافة الدول التي تعارض واشنطن وسياساتها في أي مكان وزمان، لاسيما وأن خلفياته الاقتصادية والتجارية واضحة للعيان؛ فثمة صراع في سوق النفط العالمي حول توزيع الحصص بين النفط الصخري، الذي تقوده الولايات المتحدة والنفط التقليدي الذي تتزعم صادراته المملكة، ما سيتسبب هذا القانون بتوتر العلاقات الاقتصادية والسياسية بين المملكة والولايات المتحدة، ونشوء بيئات قلق وخوف لدى المستثمرين ورجال الأعمال السعوديين، كما سيخفض التبادل التجاري بين الطرفين والبالغ 74 مليار دولار منه 18 مليار دولار للصادرات و56 مليار دولار للواردات.، في الوقت الذي تعتبر فيه الولايات المتحدة، ثاني أكبر شريك تجاري في السوق السعودي. كما ستؤثر على الاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة وأرصدتها والمقدّرة بـ 750 مليار دولار منها 117 مليار دولار مستثمرة في سندات الخزينة الأميركية مقابل استثمارات أميركية في المملكة لا تتجاوز 15 مليار دولار؛ كما سيؤثر القانون على صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة. كما سيؤثر القانون على 100 ألف طالب سعودي في الولايات المتحدة.

فما العمل؟ إما المواجهة عبر سحب السعودية استثماراتها من الولايات المتحدة، وإعاقة الاستثمارات الأميركية في السعودية، وتجميد صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة، وتغيير تسعيرة منتجاتها النفطية في السوق العالمي من الدولار إلى اليورو، وإقناع دول مجلس التعاون على اتخاذ مواقف مماثلة لها. أو التفاهم من خلال المطالبة بتعديل القانون واستغلال الثغرات القانونية الكثيرة فيه، ليصبح متوافقا مع ملاحظات الإدارة الأميركية.

انه قانون يخفي ويضمر الكثير، تحت مسمى تحقيق العدالة ومكافحة الإرهاب، انه ببساطة شديدة، قانون الابتزاز المالي والسياسي بامتياز.

 

د. خليل حسين

استاذ العلاقات الدولية والدبلوماسية في الجامعة اللبنانية

 
د. خليل حسين
 
أرشيف الكاتب
الاتحاد والمملكة غير المتحدة
2017-04-05
خلفيات التوتر التركي الأوروبي وتداعياته
2017-03-21
دلالات الفيتو المزدوج في مجلس الأمن
2017-03-05
إلى أين بحل الدولتين؟
2017-02-20
حدود التوتر الأميركي الإيراني وآفاقه
2017-02-19
ديموقراطية أميركا وشوفينية ترامب
2017-01-30
مؤتمر أستانة محطة عابرة في الأزمة السورية
2017-01-23
إسرائيل ومعاقبة الأمم المتحدة
2017-01-19
روسيا وعقيدة بوتين المجدّدة
2017-01-12
تحديات الأمين العام للأمم المتحدة
2017-01-11
المزيد

 
>>