First Published: 2016-10-16

وطن غائب ومواطنة فخرية

 

الوطنية في العراق هي التجسيد الأمثل للغة خشبية لم تعد ممكنة في عصرنا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

هناك في أجزاء كثيرة من العالم العربي نوع افتراضي من المواطنة. ذلك النوع الذي تشرق به شمس الخميس في الأناشيد المدرسية. وهو ما يدعو الاعين تدمع حين يردد اللصوص وقطاع الطرق والأفاقون ومزيفو التاريخ والمتعاونون مع الأجنبي في غزو بلادهم "موطني. موطني".

لا أحد يسألهم أي موطن ذلك الذين يشهدون له بالجمال؟

واقعيا وعلى سبيل المثال لم يبق شيء جميل في العراق. لقد أخلته الحروب من مقومات أن يكون جميلا. اما ان يتغنى العراقيون بالخراب الجميل، فذلك شأنهم الذي لا يمكن لأحد أن يناقشهم فيه.

حين يحل الخراب فلا شيء يمت إلى الجمال بصلة يمكنه أن يكون موجودا.

الخراب الجميل مثل المحتل الطيب عبارتان غامضتان، لا تستويان لا مع المنطق ولا مع العاطفة.

غير أن العراقيين يصرون على كونهم عاطفيين. حتى الخونة منهم، المتعاونون مع المحتل، تجار الدين الذين أفسدوا علاقة العباد بخالقهم وعاثوا بثروات الخلق فسادا يحبون العراق بسبب ما تنطوي عليه أنفسهم الرقيقة من عاطفة.

وإذا ما كان الإنسان العادي في العراق قد فقد القدرة على الإجابة على سؤال من نوع "ما معنى أن يكون الإنسان مواطنا عراقيا؟" فإن رواد عصر الجهل والامية والبغضاء والعنف لا يجدون صعوبة في الإجابة على ذلك السؤال الذي لا أحد يطرحه عليهم.

فالعراقي بالنسبة للراي السائد هو كل شخص ولد من أبوين عراقيين.

ما من شيء غامض في المسألة. تبدو القسمة نظريا عادلة.

القاتل والقتيل عراقيان. السارق والمسروق عراقيان. هر المطابخ والجائع عراقيان. امبراطور النفط وشحاذ قنينة الغاز عراقيان. أمير الحرب والباحث في المزبلة عن طعامه عراقيان. العراق هو خيمتنا. لذلك يجمعنا الدمع حين تعلو أصواتنا بالنداء الأخير "موطني موطني".

ولأن الطائرة قد تقلع في أية لحظة، فإن مَن أعد حقائبه في أوقات سابقة هو الأكثر حماسة في ترديد كلمات ذلك النشيد الساذج الذي يقمع كل رغبة في البحث عن معانيه على مستوى الواقع.

لا يحق للفرد أن يتساءل إذا ما تعلق الأمر بالوطن. فالوطن مقدس. لكن تلك القداسة لا تتناقض مع خيانته. فالخيانة وفق المقاييس العراقية هي نوع من خدمة الوطن. وهو ما لا يدركه السذج التقليديون من أمثالي. ذلك لأن الوطنية هي التجسيد الأمثل للغة خشبية، لم تعد ممكنة في عصرنا.

في سياق ذلك المنظور يمكن للمرء أن يكون مواطنا وهو يخون وطنه من خلال التعاون مع الأجنبي وتمكينه من الهيمنة على بلاده. وهو ما صار مألوفا ومقبولا في العراق. فلا ضرر في ان يكون العراق إيرانيا. ولا ضرر في الاستنجاد بتركيا لحل معضلة الموصل. ولا ضرر في أن يذهب عراقيون إلى إسرائيل للاستفادة من تجربتها الديمقراطية.

العراق باق في النشيد المدرسي وهو ما يكفي لشعور الجميع بالفخر.

الفقراء والجائعون والنازحون والمحرومون والمشردون والمقموعون هم أيضا شركاء في الوطن مثلهم مثل مرتزقة الكتل الحزبية من نوع حزب الدعوة والحزب الإسلامي والحزب الديمقراطي الكردستاني الذين احتكروا لأنفسهم ثروات الأرض وها هم يختلفون على ما يمكن أن تنطوي عليه السماء من ثروات.

المواطنة حق مشروع لكل فرد، ما دام ممتنعا عن التساؤل عن معنى مواطنته في وطن لم يعد موجودا.

لا يملك أحد في أن يحرم أحدا آخر من مواطنته.

ولكن الوطن الذي صار ضروريا للصوص يفقد قدرته على أن يكون وطنا لمَن سُرق حقه في أن يحتفظ بوطنه مصانا من عبث اللصوص.

في سوريا يتهم المرء بالتعاون مع النظام إذا لم يساهم في تخريب بلده.

وصفة عراقية أريد لها أن تنتشر كالوباء.

 

فاروق يوسف

الاسم المصلحي بن علي
الدولة استراليا

يابلسما للجرح قل وجوده زمن الخراب والكل فيه منشد

ياصوت أهل الحق يعلو دائما وجميع أصوات النشاز تغرد

عظم اللسان وقبله هو الفؤاد الأوحد

لانملك الا الدعاء مرددا يا رب ثبت قلبه

انت الرحيم ويارب ارحم أهله

2016-10-16

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
عشرة أعوام من الفشل
2017-10-04
بناة العراق المؤقت
2017-10-03
المزيد

 
>>