First Published: 2016-10-16

صناعة الأخبار: أزمة داخل أزمة

 

عندما يفتقد الجمهور الحماسة لأخبار مؤسسة إعلامية كبرى كهيئة الإذاعة البريطانية 'بي بي سي'، لأنها لا تقدم له أكثر مما يعرفه، فهذا يعني أن صناعة الأخبار في أزمة داخل أزمة الصحافة التي ترقد في السوق المريضة أصلا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

فيما يخشى الصحافيون على مستقبلهم من الجملة المرعبة التي أطلقها خبير الذكاء الاصطناعي في جامعة ستانفورد سيباستيان ثرون “لا توجد وظيفة مكتبية آمنة”، فإنهم، في الواقع، عاجزون اليوم إلى حد كبير عن الإمساك بمهنتهم من أجل بقائها وبقائهم كصحافيين!

سايمون كوبر الكاتب الصحافي في فاينانشيال تايمز، يبدو حزينا حيال توقع المتفائلين بأن فرص العمل القديمة المختفية ستستبدل بها وظائف جديدة، ويقول “بالنسبة للصحافيين مثل هذا الأمر كان صحيحا بالتأكيد، لكن المشكلة هي أن معظم الصحافيين يريدون أن يبقوا صحافيين!”. هذا يعني أن مهنتهم على وشك التلاشي فعليهم البحث عن عمل آخر.

وفي موازاة القلق المتفاقم من أن الذكاء الاصطناعي سيجعل من الآلة كائنا يفكر ويصنع ويكتب، فإن الصحافيين يصارعون أنفسهم من أجل صناعة “إخبارية” لم تعد تقنع الجمهور!

أي خبر يصنعه الصحافيون اليوم، بينما كل الأخبار الملفتة صارت صناعة متداولة بين الناس بوصفهم الصناع والمستهلكين معا، ماذا عن الصحافي أيها السادة!

لقد عجز الصحافي في مستهل المشوار التنافسي في العصر الرقمي، عن تطوير مهنته من أجل الاحتفاظ بها، صحيح أن الأخبار صناعة تحتاج إلى التطوير وليس دق المسمار الأخير في نعشها، لكن الواقع يقول لنا إن هذه الصناعة صارت متاحة للجميع لهذا أنزل المواطن الصحافي، الصحافي من برجه العالي وأرغمه على التسوق من أخباره، صار هو المصدر فعلى الصحف ووكالات الأنباء أن تستعين به.

دعوني أستعيد مثالا يبدو واقعيا من سوق الأخبار المريضة، فقد طرق الثنائي ميليسا بيل وعزرا كلاين مهمة جديدة تعيد مفهوم الصناعة الإخبارية عبر شرح الأخبار وعدم الاكتفاء بتجديدها ومتابعة تداعياتها، في موقع إلكتروني انطلق قبل عامين ويحمل اسم “فوكس دوت كوم”.

وميليسا وشريكها عزرا احترفا الإعلام في صحيفة واشنطن بوست، وعلمتهما التجربة البحث عما وراء القصة الإخبارية، وفكرتهما الجديدة ترفع مهمة شرح الأخبار من الهامش إلى المقدمة.

إنهما يريان أن شرح الأخبار ليس ببساطة ما تعرضه ويكيبيديا، لأن الأمر ببساطة أن وكالات الأنباء والقنوات الفضائية ليس بمقدورها تقديم شروح لمجموعة واسعة من القصص الإخبارية التي تعرضها، وهكذا كما يقولان “نحن في فوكس في جوهر الصحافة وليس على هامشها”.

ومع الصمود غير المتوقع لهذا الموقع إلى حد الآن في فكرة تبدو جديدة، لكنه ليس حلا، لأن المشكلة تكمن في الأخبار وليس في شرحها كما تعمل ميليسا وعزرا في “فوكس”.

عندما يفتقد الجمهور الحماسة لأخبار مؤسسة إعلامية كبرى كهيئة الإذاعة البريطانية “بي بي سي”، لأنها لا تقدم له أكثر مما يعرفه، أو قد عرفه قبل أن يشاهد نشرة الأخبار الرئيسية في مساء اليوم، فهذا يعني أن صناعة الأخبار في أزمة داخل أزمة الصحافة التي ترقد في السوق المريضة أصلا.

من السهولة بمكان تحليل محتوى النشرة الإخبارية لـ“بي بي سي” لنكتشف العجز الذي أصابها، فقد لجأت -على سبيل المثال- في نشرة الاثنين الماضي إلى تخصيص نصف وقت النشرة إلى استذكار حادث شغب بعد مرور عشرين عاما على حدوثه، مهما يكن من أهمية ذلك الحادث وعدد الضحايا فهو من الماضي، وقيمته الإخبارية تضاءلت إلى حد مجرد استذكاره لا أكثر.

السؤال المشروع عن السبب الذي دفع محرر النشرة إلى التركيز على ذكرى إخبارية، هل يكمن في العجز عن صناعة قصة يومية متفاعلة، كيف اقتنع في صنع مادة إخبارية من الماضي؟

“لا أخبار هذه الليلة” حدث مثل هذا الأمر مساء الثامن عشر من أبريل من عام 1930، عندما أعلن مذيع نشرة الأخبار في راديو “بي بي سي”، “لا أخبار هذه الليلة، ليلة سعيدة!”. وانتهت نشرة المساء الإذاعية بمعزوفة على البيانو.

مثل هذا الأمر لا يمكن أن يتكرر اليوم، لهذا لجأ الثنائي ميليسا بيل وعزرا كلاين إلى شرح الأخبار في موقعهم الإلكتروني.

أرى أن الأزمة ليست في الخبر نفسه، لأن الحياة لا يمكن أن تخلو من الأخبار بغض النظر عن أهميتها، لكن شيوعها بدرجة هائلة، جعلها تفقد تأثيرها بمرور الوقت، فلم يعد بإمكان الصحف في اليوم التالي تقديم طبخة بائتة، ولا بإمكان النشرات التلفزيونية أن تكرر ما بث نهار اليوم في المساء من دون جديد يجلب انتباه الجمهور.

السؤال الأكثر أهمية، كيف يستعيد الصحافي أدواته الفاعلة لإعادة صناعة الخبر؟ وتقديمه إلى الجمهور بمواصفات جديدة.

عندما ينجح الصحافي في ذلك، عندها سيكون من غير المهم أن نفتح الطريق أمام الروبوت الصحافي ليدخل معنا في منافسة واقعية، هي أقرب إلى مباراة شطرنج بين الإنسان والإنسان الآلي.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الغناء بوصفه حلا
2017-01-17
سلب السلطة من السلطة الرابعة
2017-01-15
هل حقا لا ينام ترامب؟
2017-01-10
كيف يدخل المعلنون إلى وعينا
2017-01-08
2016 أسقط نرجسية وسائل الإعلام
2017-01-03
ما معنى أن تكون الصحافة الحكومية ديمقراطية
2016-12-26
كوميديا الصعود السياسي
2016-12-20
الأخبار الزائفة تحرق الديمقراطية
2016-12-18
النساء بلا جاذبية
2016-12-13
إعادة الثقة المهتزة بوسائل الإعلام
2016-12-11
المزيد

 
>>