First Published: 2016-10-20

ألا يحق للعراقيين أن يحلموا بغد أفضل؟

 

العراق الذي ابتلي بوباء الارهاب العابر للقارات، سيظل مبتلى بالعقل الارهابي المطلق الذي يحكمه كذبا بإسم الدين.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

حين غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003 أوهم بعض المثقفين العراقيين ممن يحسبون على تيار اليسار الشعب العراقي بإن الحرية قادمة لا محالة.

حتى هذه اللحظة يصر البعض على استعمال كلمة التغيير بدلا من الاحتلال في اشارة إلى ما جرى. وهو ما تنفيه كل الوقائع التي شهدها العراق عبر السنوات الكئيبة الماضية.

لقد وقع تغيير هائل الحجم في حياة العراقيين، حين ارتد المجتمع إلى عصور ما قبل قيام الدولة الحديثة. لا مؤسسات ولا قضاء ولا أمن ولا رعاية طبية ولا تعليم ولا حرية ولا تسامح ولا زراعة ولا صناعة ولا جيش وطني.

كل المسميات الكبيرة أفرغت من مضامينها.

يعيش العراقيون ومنذ أن وقعت كارثة الاحتلال لحظة فريدة من نوعها في التاريخ البشري. ربما لأنهم تواطئوا مع اليأس وتكيفوا مع القبول بالحد الادنى من مستويات الحياة. لقد أجبروا على أن يعتبروا البقاء على قيد الحياة هدفا ساميا في حد ذاته. وهو ما يتنافى مع دور الإنسان في صنع مصيره واقرار قيمه الحضارية والسعي إلى تطوير مفهوم الحياة.

الحياة ليست اسلوبا في العيش، بل هي جوهر الوجود الإنساني ودلالته التي تكسب العيش معنى الارادة. وبهذا يكون العيش واحدة من بداهات الحياة وليس هدفا.

ولكن ما شهده العراقيون من فجائع أفقدهم القدرة الطبيعية على توسيع دائرة الامل. صار الامل بالنسبة لهم نوعا من الترف.

من النادر أن تلتقي عراقيا ولا يعتبرك تهرف بما لا تعرف إن تعلق الامر بالعراق ومستقبله.

في الوقت نفسه فما من عراقي يعترف بأن الأبواب التي تفضي إلى المستقبل قد أحكم اغلاقها، وهي محاولة انسانية لاستبعاد فكرة الانتحار الجماعي.

ولكن تلك الأبواب في حقيقتها كانت قد أغلقت، بل وتم محو أي أثر يشير إليها أو يذكر بها. فمَن حكم العراق بالأمس ومن يحكمه اليوم ومن سيحكمه غدا لا يملك أي فكرة عن المستقبل. لا لأنه ماضوي التفكير حسب بل وأيضا لأن مشروعه قائم على تسليم المجتمع للقدر، لذلك فهو لا يؤمن بحق الناس في الامان والتعليم والرعاية الطبية والعيش الرغيد والعدالة الاجتماعية والمساواة والمواطنة في ظل قانون نزيه.

مَن يحكم العراق كاره لمفهوم الحياة، مثلما طوره العقل البشري والتجربة الإنسانية عبر قرون من النضال والتفكير. ولأن خمسين سنة من القهر السياسي والاضطرابات والعنف لم تسمح للمجتمع العراقي في الاستقلال بقراراته بعيدا عن هيمنة الحاكم، لذلك يصح القول أن صورة المستقبل في العراق تصنعها الجهة التي تحكمه.

لهذا فإن القول أن صورة المستقبل العراقي معتمة هو قول صحيح، لا يمت بصلة لمنطق التشاؤم. فالعراق الذي ابتلي بوباء الارهاب العابر للقارات، سيظل مبتلى بالعقل الارهابي المطلق الذي يحكمه كذبا بإسم الدين.

وفي ظل المعطيات الحالية فإن قيام دولة مدنية في العراق هو أمر مستحيل. اما اشاعته بإعتباره نوعا من الأمل فهي محاولة لنسيان الحقيقة والكذب على الذات، وهو ما اعتادت الشعوب المهزومة القيام به.

لقد حفلت السنوات العراقية الماضية بشتى صنوف العنف والتهجير والنزوح والفقر والاذلال والكراهية والتعصب والريبة وتدني قيمة الإنسان ومحو كرامته. وهو ما يوجب على العراقيين أن يصرخوا "كفى" من أجل أن يستعيدوا حقهم في التفكير في ما ستكون عليه أحوال أجيالهم في المستقبل.

اما الاستمرار في الصمت وانتظار المجهول فإنهما سيؤديان حتما إلى أن يخسر العراقي كل القواسم المشتركة التي تجمعه بالبشر الطبيعيين.

إنسانية العراقي في خطر. وهو واحد من أقسى أهداف الاحتلال البغيض التي سعى ويسعى حكام العراق الجديد إلى الوصول إليها.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
عشرة أعوام من الفشل
2017-10-04
بناة العراق المؤقت
2017-10-03
المزيد

 
>>