First Published: 2016-10-23

وليد دماج: الرواية محاولة لخلق عالم جنون حقيقي

 

رواية 'هم' المرشحة للبوكر 2017 تسعى إلى أن تستكشف عالم الجنون من داخله، وأن تفصح عنه بلسان المجنون ذاته، فترى ما يراه المجنون.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

الحرب أجهضت الكثير من الأعمال الأدبية والإبداعية

يعد الروائي والكاتب وليد دمـاج من أهم الكتاب اليمنين الذين يتميزون بنفس سردي خـاص بهم، وتمثل أعماله ــ بجانب أعمال عدة ــ تطورًا في السردية الحديثة المعتمدة على البساطة والحرية المطلقة لحركة السرد وآلياته العابرة للأجناسية، مع الحافظ على وضع شبه منطقي فيما يخص بنية الحكاية، إلى جانب سمات عدة برزت مع أجيال الحكي والقص ما بعد الحديث.

وقد رشحت مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر أخيرا روايته "هم" الصادرة منذ أقل من شهرين عن المؤسسة لجائزة البوكر 2017، وذلك ضمن تقديمها للأعمال المتميزة الصادرة عنها للجوائز المعروفة.

و"هم" رواية تسعى إلى أن تستكشف عالم الجنون من داخله، وأن تفصح عنه بلسان المجنون ذاته، فترى ما يراه المجنون وتفسر الأشياء بحسب ما يفسره أصحاب ذلك العالم المتسع والمتوحد في الوقت ذاته.

حاورنا صاحب "هم" للتعرف على تجربته الروائية والقصصية، ووضع المشهد الروائي والثقافي في اليمن الآن.

بداية يؤكد دماج أن هذا العنوان "هم" المكون من حرفين فقط يعني الكثير، لكنه في سياق رواية "هُم" لا يدل على الآخر المختلف، بل على الغامض المبهم الذي يحسب البعض أنه يحاول السيطرة عليه والاستبداد به. إنه محاولة لإيجاد مبرر لما يكتنف حياتنا من غموض وحوادث غير مفهومة. حياتنا برمتها لغز، وشعرة واهية تفصل بين الفهم واللافهم، الإدراك واللاإدراك، العقل واللاعقل. ما الذي يجعلنا نجتاز ذلك الفاصل؟! هذا هو السؤال.

• مجانين صنعاء

ويقول "الرواية غوص في عالم متفرد، هو عالم الجنون. والجنون في تجلٍ من تجلياته هروب جلي. من ماذا؟! وإلى أين؟! أظنه من أنفسنا أولاً، فالأمر هنا ليس محاولة لإلقاء هموم ومشكلات وأزمات الإنسان والعالم على ذلك المبهم المتمثل في "هم" بل هو محاولة لمقاربة ذلك العالم المبهم والغوص فيه.

و"هم" هنا هو الخيط الذي قد يقودنا إلى أعماق ذلك العالم المتفرد المبهم. وليس من السهولة بمكان الكتابة عن مثل هذا العالم البعيد، فالكتابة عنه شاقة وتفر من بين أصابع الكاتب، وليس من شيء يمكن أن تجعل الكاتب يمسك بتفاصيلها سوى الخوض الشخصي فيها ومحاولة اقتحام ذلك العالم بشكل مباشر وجريء.

أنا أصف عالم الجنون بأنه عالم المفارقة، فالمجنون مفارق لما لم يرقه من عالم، غائبا في عالم هو من خلقه وتشكيله. لقد حاولت في سبيل استشاف ملامح عالم الجنون أو المفارقة أن أعايش عالم الجنون، فلاحقت وحاولت التقرب ممن يمكن أن نطلق عليهم مجازاً مجانين الشوارع. والحمد لله أن لدينا في صنعاء الكثير منهم. كنت استيقظ قبيل الفجر وأذهب إلى أماكن تواجدهم حيث ينامون في العادة على الأرصفة، أتأمل وأراقب ملامحهم النائمة، ثم ألحظ كيف يستيقظون وكيف يرون العالم. أنهض معهم وأتجه حيث يتجهون، ولكل من أولئك طريقته وأسلوبه، ورؤاه.

مكثت أيضاً في بعض المصحات النفسية، وعايشت من فيها من مرضى، وتأملت ملامحهم واستقرأت أفكارهم، فكان الجامع المشترك بين أغلب أولئك الذين في الشوارع وفي المصحات ما يمكن أن نطلق عليه عالم "هم" فهو عالمهم الذي فيه يستغرقون.

• مخيلة الجنون

وحول إفادته من مخيلة الجنون بما تفتح عليه من غموض وإبهام في تشكيل عالم الرواية، يشير دماج "الجنون فنون كما يقولون، والجنون ليس شيئاً واحداً، والمجنون يعيش خيالا كاملا.

الرواية محاولة لخلق عالم جنون حقيقي، لذا فهو محاولة للخوض في عوالم الغموض والإبهام التي يخلقونها أولئك المجانين. كل مجنون كما أسلفت يخلق عالمه الخاص. الكتابة عن الجنون مغامرة عويصة وعرة الدروب والمسالك. استسهلتها أول الأمر، لكنني حينما خضت فيها أدركت مدى صعوبة الكتابة عن مثل هكذا موضوع.

استلهمت بالرواية بالتأكيد مخيلة المجانين وانقادت في مغامرة لذيذة لاكتشاف كيف يفكرون وكيف يرون الأشياء، محاولة استكشاف الأساليب والاختلافات في رؤاهم وأساليبهم ومخيلاتهم، محاولاً قد الإمكان تقمص الجنون، واكتشاف عالم الجنون من داخله.

لم أكتب عن الرواية بصيغة الراوي العليم، بل جعلت المجنون هو من يكتب الرواية ويستكشف غموض ذلك العالم الشيق، وهنا حسب اعتقادي المغامرة الحقيقة في الكتابة، وعلى هذا الأساس تشكلت الرواية.

ويلفت دماج إلى أنه حاول قدر المستطاع الهروب من سيطرة الشعرية على الرواية فكرة ومضمونا ولغة وأسلوبا، ويقول "الرواية بحسب رأيي عالم سردي كاملة، اعتمدت فيه على التقنيات الحديثة في عالم السرد مثل الفلاش باك، وخلق لغة حديثة في الكتابة، والاهتمام أيضاً باللغة باعتبارها أحد العناصر الأساسية في عالم السرد الروائي.

ربما أقول بأنني قد حاولت أن أكتب روايتي بلغة ليست شعرية وإنما كما وصفها أديب اليمن الكبير الدكتور الجليل عبدالعزيز المقالح باللغة الأدبية، وهي من أنماط الكتابة السردية الحديثة بكل تأكيد.

• ظلال الجفر وهم

وينفي وليد دماج أي تشابه بين روايته السابقة "ظلال الجفر" و"هُمْ" على مستوى الفكرة ومعالجتها، ويؤكد "لا أرى أن في الأمر تشابهاً إلا من حيث أن كاتبهما واحد، وأنهما يحاولان الخوض معا في عوالم غامضة ومبهمة، أما الفكرتان وأسلوب معالجتهما، فأرى أنهما مختلفتان تمام الاختلاف، إذ أن رواية "ظلال الجفر" وهي مغامرتي الأولى في عالم الرواية رحلة معرفية متكاملة في عالم مبهم هو عالم الظلال وعالم الوعي، وكتبتها نظراً لكون من قيلت الرواية على لسانه "معلم ظل" بلغة شعرية صوفية عالية.

أما رواية "هم" فمحاولة لخوض عالم مبهم آخر، هو عالم الجنون، وعالم اللاوعي. لذا كتبت بلغة أقل تعقيداً وأحسبها لغة سردية بسيطة. الحبكة في الروايتين أيضاً مختلفة، إذ أن رواية "هم" تعتمد على الخوض في عالم النفس وعلى الفلاش الباك على خلاف رواية "ظلال الجفر" التي تحاول الإمساك بالجوانب الصوفية عبر رحلة صوفية اعتمدت فيها على استغراقي في عوالم الصوفية لسنوات.

• الواقع اليمني

وحول علاقة أعماله بالواقع المحلي اليمني، يشير دماج إلى أنه ابن بيئتي اليمنية، ولكن بصورة مغايرة لأغلب الكتاب اليمنيين الآخرين، والذين كتبوا عن اليمن بشكل مباشر، محاولين رسم الواقع اليمني بشكل يمكن أن يقال بأنه توصيفي. أنا أحاول من خلال كتاباتي الاستغراق في روح البيئة اليمنية، من خلال الاستغراق في صوفية البيئة اليمنية في روايتي الأولى، وجنونها في روايتي الثانية.

ويضيف "نشأت في أسرة متعلمة ومثقفة، أغلب أبنائها يعملون في الحقل الثقافي والإبداعي، منهم على سبيل المثال أحمد قاسم دماج الشاعر الكبير ورئيس اتحاد الأدباء والكتاب اليمني لفترة طويلة، والذي أستطيع أن أقول بأنه أبي الثاني، والراحل زيد مطيع دماج القاص والروائي المعروف وأحد رواد هذين الفنيين في اليمن.

أبي كان قارئا جيداً شجعني على القراءة منذ نعومة أظافري، بالإضافة إلى البيئة التنافسية التي وجدت نفسي فيها، إذ أن الكثير من أبناء عمومتي وأصدقائي من القراء الجيدين والكتاب المتميزين، الذي كان لهم دور في خلق بيئة تنافسية ناقدة شجعتني على انتهاج الكتابة الأدبية البعيدة كل البعد عن مجال دراستي الأكاديمية "المحاسبة والمراجعة"، وبذل كل جهدي للتميز والابداع فيها.

لقد بدأت كتابة الشعر في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات إبان دراستي الثانوية، ولكنني توقفت عن الكتابة أثناء دراستي الجامعية رغبة في أن أراكم نفسي ثقافيا عبر القراءة المكثفة، الأمر الذي لا أزال أحافظ عليها حتى الآن، إذ أنني أقرأ بشكل مكثف ويومي لساعات لا تقل عن ست.

عاودت الكتابة الشعرية بعد إتمام دراستي الجامعية، محاولة الاقتراب على استحياء من عالم القصة القصيرة، والذي لي فيه مجموعة لم أجرؤ على طبعها، وحين اقتحمت عالم الرواية كنت في منتصف الثلاثينيات تقريبا، فوجدت أنني لم أخلق إلا لها".

• العلاقة بالشعر

ويقول "بدأت كما قلت شاعراً، ولي ديوانان لم أجرؤ على طبعهما أيضاً، إذ أنني لم أعد أجد نفسي فيهما بعد أن تأخرت طويلاً عن إصدارهما. وأحسب أيضاً أن بدايتي كشاعر كانت تمهيداً لأكون روائيا، وهو المجال الذي وجدت نفسي حقيقة فيه. وربما أن نفسي الشاعرة مؤثرة بشكل أو بآخر على اللغة الشعرية أو الأدبية التي قلت عنها سابقاً.

• ترشيح "هم" للبوكر

وحول ترشيح مؤسسة أروقة للدراسات والترجمة والنشر لرواية "هم" لجائزة البوكر 2017، يؤكد دماج أن هذا الترشيح شرفاً كبيراً ويتمنى أن يكون على قدر مسئوليته "هو خوض في منافسة كبيرة وحقيقية، يرغب أي كاتب أن يتوج بها، أو يصل على الأقل إلى مراحلها الأخيرة.

أظن أن هذا الأمر اعتراف بالرواية اليمنية التي بدأت تشق خطاها بشكل كبير في عالم الرواية العربية، وبدأت بعض الأسماء الروائية في البروز، ولكن وهذا هو الأهم بدأت روايات نوعية في البروز هي الأخرى".

• حالة مزرية

ويوضح دماج أوضاع الثقافة والمثقفين في اليمن اليوم في ظل الحرب الدائرة حيث يرى "إن هذه الحرب وبال على اليمن واليمنيين في شتى النواحي، وأظن أن من أكثر المتأثرين سلبا بها الثقافة والمثقفين.

أوضاع معظم المثقفين والمبدعين مزرية جداً، وأظن أن الثقافة اليمنية التي كانت قد بدأت تشق طريقها، ستتضعضع، وسيسوء حالها، في ظل غلبة البندقية والرصاصة على الفكر والكلمة. الكثير من المثقفين والمبدعين والاعلامين إما خارج البلد أو في المعتقلات، أو يعيشون حالة فاقة وبؤس وخوف واهمال حقيقية.

الحرب أجهضت الكثير من الأعمال الأدبية والإبداعية، ونظرة سريعة في حالة الوضع الثقافي اليمني ستكشف عن حالة الدمار والاندثار الذي أصاب الفعل الثقافي والإبداعي اليمني، والذي أسأل المولى القدير ألا تصاب بمقتل.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
تفاصيل المشروع الصهيوني لاختراق مصر من 1917 حتى 2017
2017-11-21
سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية
2017-11-20
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
مؤسسة عبدالحميد شومان تطلق جوائزها للابتكار العلمي بقيمة مليون دينار أردني
2017-11-08
المزيد

 
>>