First Published: 2016-10-27

لفلسطين لا لحركة فتح

 

أبومازن ادمن المناورات السياسية وصار كل همه الكيد لمحمد دحلان. القضية الفلسطينية آخر ما يعنيه هذه الأيام.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

الخط الذي تسير عليه القيادة الفلسطينية الحالية، يذكرك بأسلوب المكايدات السياسية العربية، التي يبدو أصحابها على استعداد لتحمل خسائر كبيرة، مقابل رفض التراجع عن الحسابات السياسية الخاطئة، وعدم التنازل عن مواقفهم الشخصية.

آخر تجليات المشهد، يتمثل في الهجوم غير المبرر على مصر، واللجنة الرباعية العربية، التي تتكون من مصر والسعودية والإمارات والأردن، لمجرد أنهم يحاولون لململة ما تبقى من قوة لحركة فتح، التي قادت النضال الفلسطيني لفترة طويلة، ووقف التدهور الحاصل، بسبب اتساع نطاق الخلافات التي تنخر في الهياكل الرئيسية.

لن أتحدث عن المؤتمر العلمي الذي عقد في "العين السخنة" الأسبوع الماضي، فقد أوفاه حقه كثيرون، لكن التوقف عند التحركات التي يقوم بها الرئيس محمود عباس (أبومازن)، سواء على صعيد ترتيب أوراقه المرتبكة داخل الحركة الأم (فتح)، أو على مستوى تصوراته وتصرفاته الخارجية، مسألة ضرورية، لأنها تمس جوهر القضية، وربما تساهم في وضعها ضمن أطر إقليمية أشد تعقيدا، فرضت طقوسها مبكرا، وجعلت هذه القضية المحورية تتوارى، عما كانت عليه قبل سنوات قليلة.

كل المحاولات التي بذلت لجمع شمل حركة فتح، لم تقصد التقليل من شأن ومكانة أبومازن، ولا عدم الاعتراف برئاسته، لكنها رمت إلى تعديل مسار الدفة، للحفاظ على تماسك فتح، ومنع انهيارها، ووقف استمرار انزلاقها إلى منحدر قد يأتي على ما تبقى منها.

وهو تقدير، مرتبط بمصالح بعض الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، والحفاظ على الجزء المشتعل في القضية الفلسطينية، الذي يؤدي انطفائه إلى أزمات تضاعف من مأزق المصير المجهول.

الرئيس أبومازن، أخذ الجهود الساعية إلى جمع شمل الحركة، كأنها موجهة ضده، واعتبرها عداء شخصيا، لأنها تقود في النهاية إلى انصرافه عن مشهد الأضواء الذي أدمنه، في حين لم يتخذ من الخطوات ما يثبت أنه أكثر حرصا على الحركة ومستقبلها، وأمعن في التنكيل بخصومه، وأسرف في قرارات الفصل والعزل، لكل من يعتقد أنه على خلاف معه في الرأي، وبالتالي ساهم، من حيث يدري أو لا يدري، في تأزيم الموقف، بدلا من العمل على تسويته بحنكته السياسية المعروفة.

المشكلة أن طريق المناوشات، أوصله إلى الخندق التركي والقطري، وهو يعلم أنه مظلم في نهايته، ويعمل لصالح خصومه التقليديين في حركة حماس، مع ذلك ذهب إلى أنقرة والدوحة، ليس بحثا عن حل لمأزقه الراهن، لكن بغرض التأكيد على عدم تراجعه، وأنه عازم على المضي في طريقه، حتى لو كان ذلك على حساب الثوابت والقواعد التاريخية التي ترتكن عليها حركة فتح.

الذهاب إلى هاتين العاصمتين، حتى لو قصد منه أبومازن، استثمار علاقتهما الوطيدة مع حماس والضغط عليها لتجفيف منابع خصمه اللدود محمد دحلان في قطاع غزة، فهو يؤكد أنه يُغلب الشخصي على الوطني، فقد أصبح همه الأساسي، كيف يتخلص من الصداع السياسي الذي يمثله القيادي الفتحاوي، الذي فصله من الحركة، وتغافل عن البحث عن قواسم مشتركة للحوار والتفاهم، حفاظا على قوة فتح، وأملا في استعادة القضية الفلسطينية زخمها المفقود.

كما أن هذا النوع من الزيارات، في هذا التوقيت، يشي على الفور، أن الرجل عازم على عدم الانصياع لنصائح مصر، التي تدافع عن القضية الفلسطينية، منذ عشرات السنين، لأنها جزء أصيل من أمنها القومي، أي ليس هناك مجال لأبعاد شخصية، أو مآرب سياسية ضيقة.

بينما لكل من أنقرة والدوحة حزمة من الأهداف، يمكن أن تضر بالقضية، وتدخلها دوامة جديدة من المتاهات، وترهنها بمصالح الدولتين المتنامية مع إسرائيل، بل تجعلها خاضعة لتقديرات كلاهما السلبية حيال مصر، بمعنى يعودان بها إلى مربع المتاجرة والمزايدة السياسية.

مؤكد أن رسالة أبومازن من زيارتي أنقرة والدوحة وصلت بامتياز إلى اللجنة الرباعية، لكن بدلا من إجبار أعضائها على عدم التمادي في الضغط عليه للقبول بمصالحة داخلية، قد تزيدهم إصرارا، على المضي في هذا الطريق، قبل أن تتصاعد حدة التفسخ في جسدها، وتتحول الحركة إلى ورقة في يد كل من أنقرة والدوحة، تضاف إلى ورقة حماس التي يتلاعبان بها.

في هذه الحالة يتسع نطاق الهيمنة، بما يتجاوز حدود غزة، قبل إجراء الانتخابات المحلية، وهو ما يضع أبومازن في موقف لا يحسد عليه، فالرجل الذي صمد في مواجهة حماس لفترة طويلة، وحاول تدجينها أو إقصائها، سيكون مسئولا عن تسليم عدد من مفاتيح فتح إلى غريمته السابقة حماس، ومن يقفون خلفها.

الأزمة أن الرئيس أبومازن، يثبت بهذا النوع من الممارسات، أن إسرائيل على حق في مراوغاتها السياسية وتنصلها من قبول الدخول في المفاوضات، ويؤكد أن الوقت يمضي لصالحها، فتوجهات الرجل لا تعزز فقط الانفصال بين الضفة الغربية وغزة، لكن تضاعف من ملامح الانقسام الفلسطيني، الذي كان (ولا يزال) أحد أهم الأسلحة التي تستخدمها تل أبيب لتحقيق تطلعاتها وطموحاتها.

سواء أكانت جهود مصر منفردة، أو بالتنسيق مع اللجنة العربية، فهي في المحصلة تهدف إلى الإبقاء على القضية الفلسطينية حية لا تموت بالتقادم، ولا يكون مصيرها مثل غيرها من القضايا العربية، التي تتكالب عليها الأمم، من الشرق والغرب، والمحاولات الجارية لوحدة الصف، ليس المقصود بها فتح في حد ذاتها.

لكن لأن هذه الحركة تمثل قلب النضال الفلسطيني، والحفاظ عليها يصب في صالح القضية برمتها، ويوقف النزيف الذي تعاني منه، ويمنع كل من تسول له نفسه، استغلال الموقف للانتقام من دول أخرى، تمثل عائقا أمام أحلامه الإقليمية.

لم يعد أمام الرئيس أبومازن، سوى أن يكف عن مناوراته السياسية، ويتيقن أن مصر لن تتخلى عن القضية الفلسطينية، حتى لو أراد أو تمنى البعض ذلك، لأنها تتجاوز حدود التقديرات قصيرة النظر، وتمس عصب الرؤية الإستراتيجية.

وهناك طرق كثيرة يمكن العبور من خلالها، للحفاظ على هذا الهدف، وسيكون المؤتمر العام المقبل لحركة فتح، إما بابا لإعادة الاعتبار لقوة الحركة التاريخية، أو قنبلة تنفجر في وجه كل من حاول السير عكس الاتجاه الوطني.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
أزمة قطر حققت أهدافها
2017-06-29
المدارس الدولية والسيادة المصرية
2017-06-22
قطر تتحايل بخطاب الحصار
2017-06-15
الخطوط المتوازية لمكافحة الإرهاب في مصر
2017-06-01
دروس التجربة الإندونيسية لمكافحة الإرهاب
2017-05-25
في الطريق إلى اندونيسيا
2017-05-18
المزيد

 
>>