First Published: 2016-10-28

رئيس في بعبدا: لماذا لا موقف واشنطن؟

 

مقلق أن لا يكون للولايات المتحدة موقف في طبخة إيرانية أصيلة تم الاعداد لها لسنوات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

رغم أني حزمت حقيبتي باتجاه واشنطن معززا بتأشيرة دخول ممنوحة من السفارة الأميركية في لندن، إلا أنه، ولسبب ما، كان على موظفي شركة الطيران التواصل مع دائرة الهجرة في الولايات المتحدة لمزيد من التحقيق والتحقق. اعتذرت موظفة الشركة على استمهالي كل هذا الوقت أثناء اتصالها مع دائرة الهجرة في واشنطن، وهي تجيب على أسئلة روتينية تتعلق بجواز السفر وتفاصيل "الفيزا"، لكنها حين أجابت محدثها، وبعد سؤالي عن مدينة الولادة، أنها بيروت، سألها ذلك المحدث: أين تقع بيروت؟

أجبت على السؤال بابتسامة "هي عاصمة لبنان". لم يكن ذلك كافياً، ذلك أن الشخص الذي سيقرر مروري نحو بلاده من عدمه طلب عبر الهاتف تهجئة حروف كلمة لبنان، واعتقد أنه كان يريد تلقيم الحروف لحاسوبه ليعرف شيئا ما عن هذا البلد.

الأمر مفارقة كبرى، ذلك أن لبنان صغير إذا ما قورن بدول كبرى تتصفح الولايات المتحدة ملفاتها. لكن للبلد في ذاكرة الأميركيين كوابيس سوداء منذ خطف مواطنين أميركيين وتدمير السفارة الأميركية وتفجير ثكنة المارينز هناك، ناهيك عما يبثه البلد من أخبار تتصدر وسائل الإعلام الدولية منذ عقود. لكن ما ليس مفارقة أن البلد، لاسيما في هذه الأيام هامشي الوزن لدى الأميركيين، وتتعامل الإدارة الأميركية معه في سياق معالجتها للملف السوري. فإذا ما بات لبنان خيمة كبرى لأكثر من مليون نصف من اللاجئين السوريين، فإن واشنطن تواكب يوميات البلد من هذا المدخل وليس من أي مداخل أخرى تتعلق بشؤون السياسية الداخلية.

والزائر لواشنطن، ثم لوزارة الخارجية الأميركية، سيستنتج بسهولة أن إدارة الرئيس باراك أوباما، التي تلملم اوراقها قبل الرحيل، مشغولة بملفات كبرى في منطقة الشرق الأوسط، قد تبدو معركة الموصل إحدى مظاهرها الكبرى. وإذا ما يدور الجهد الدبلوماسي حول شؤون سوريا وترتيب العلاقة مع الشريك الخليجي أو ذلك التركي، فإن أمر المداولات حول انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان يبدو داخل أروقة إدارة جون كيري جلبة بعيدة ورياحاً لا تربك نسماتها تكتيكات واشنطن في المنطقة.

تساءلتُ في مكتب مسؤول كبير في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، عما إذا كان مسموحاً للبنان أن ينتخب رئيساً محليّ الصنع دون أن يمر ذلك، كما هو الحال منذ استقلاله عام 1943، بتسوية وتقاطع إقليمي دولي، أو أن المجتمع الدولي مشغول عنه بما يتيح أمر ذلك. ضحك ذلك المسؤول من فكرة أن البلد الصغير يتدبر اموره مستغلاً انشغال العواصم الكبرى بأمور أخرى. قال "ساءنا الفراغ الرئاسي في لبنان ويهمنا وضع حد لهذا الفراغ". بدا واضحاً من خلال ملامحه أن واشنطن ليست شريكة في ما يتم ترتيبه لانتخاب ميشال عون، وأن الولايات المتحدة، حسب قوله، "ليس لديها موقف معيّن" من هذه الترتيبات الجارية في لبنان.

قد لا يفهم من هذا الموقف شيئا وقد يفهم منه كل شيء. الأمر يتعلق بالكيفية التي يُقرأ بها الموقف الأميركي. صحيح أن تصريحاً أولياً لوزير الخارجية الأميركي فُهم منه استخفاف بالجلبة الرئاسية في لبنان، لكن توضيحاً رسميا أصدرته وزارة الخارجية الأميركية لاحقاً اعاد تصويب الموقف صوب ما اعتبر نأيا بالنفس أو لا موقفا في هذا الشأن. وفي غياب موقف أميركي - دولي حاسم، يمكن للورشة اللبنانية أن تفهم ذلك ضوءا أخضر للمضي في السعيّ الذي بدأه الرئيس سعد الحريري وباركه السيّد حسن نصرالله لانتخاب ميشال عون رئيسا للجمهورية اللبنانية.

قبل أشهر فقط توجه وفد نيابي لبناني إلى واشنطن ضمَّ محمد قباني وياسين جابر وروبير فاضل وآلان عون وباسم الشاب، إضافة إلى مستشار الرئيس نبيه بري، علي حمدان. تداول الوفد مسألة العقوبات التي قد تطال النظام المصرفي في إطار الموقف من حزب الله. عرّج الوفد على صندوق النقد والبنك الدوليين لبحث مسائل تمويل لبنان. كانت واشنطن تراقب وترعى قلق اللبنانيين في قطاع المال، وكان موقفها نشط في طمأنة لبنان وبرلمانه، فكيف يعقل أن تهمل موقفاً يتعلق برئيسه العتيد؟

على أن من المتابعين من قرأ اللا موقف الأميركي بصفته نذير شؤم على الاستحقاق الرئاسي اللبناني. منهم من اعتبر أن الإدارة الأميركية قد لا تريد اتخاذ موقف واضح لإدراكها أن تعطيلا ما، محلي أو إقليمي، قد يحول دون الوصول إلى خواتيم تفتح أبواب قصر بعبدا. ومنهم من اعتبر أن ورشا جراحية كبرى تجري في المنطقة من مشرقها إلى مغربها، قد لا تتيح تمرير واقعة لا تعبر بالضرورة عن حقيقة التوازنات الجارية التشكّل في المنطقة والعالم. ومنهم من رأى أن إدارة أوباما العاجزة حاليا عن حسم الملفات وتعمل على ترحيلها إلى الإدارة المقبلة قد تنظر بعين الريبة إلى ملف في لبنان لم تعمل على انضاجه واعداده للترحيل.

لكن، وبغض النظر عما يضمره الأميركيون للبنان واللبنانيين، فإن المشهد الذي يقرأه المراقبون من واشنطن يؤكد أن خيارات إيران في المنطقة تتدعم على النحو الذي يمثله تسليم العالم والطبقة السياسية اللبنانية بالقبول بمرشح حزب الله ميشال عون رئيسا للبلد. وفيما يعترف المسؤول الكبير في وزارة الخارجية بأن الحوار مقطوع بين واشنطن وطهران، فإن إيران ترى في ما يفهم أنه غياب أميركي، مناسبة للتقدم داخل ميادين العراق وسوريا ولبنان، بحيث يعتبر السيد حسن نصرالله أن انتخاب عون رئيساً يمثّل انتصارا لخيارات حزب الله في سوريا. وبالتالي فلا يمكن اعتبار وصول عون لبعبدا صناعة لبنانية، بل هو نسج إيراني قديم يشهد البلد هذه الأيام ترتيب نهاياته وتوضيب عملية إطلاقه في الأسواق.

ومع ذلك فإن ميشال عون هو أكثر العارفين بوهن التسوية وخواء أساساتها على النحو الذي يدفعه لرفض أي خطط لتأجيل مؤقت لجلسة الانتخاب، على ما قيل أنه اقتراح من السيّد حسن نصرالله لترتيب الصفقة مع الرئيس نبيه بري، ذلك أن كل ساعة إضافية ملغّمة بمفاجآت قد تطيح بما راكمه عون من صبر وعناد للوصول إلى مبتغاه. ناهيك عن أن موقف بري المعارض، غير المعطّل، لانتخاب عون، قد ينهل وقوده من معطيات إقليمية ودولية ما زالت تتيح عناداً لاجهاض ما اعتبر اتفاقاً ثنائيا، فرض على الجميع.

وتذهب بعض الآراء في واشنطن إلى اعتبار أن تسليم واشنطن بانتخاب عون، ولو من خلال اللاموقف، لا يليق بأداء الدولة الأكبر والأقوى في العالم، والتي وجب أن يكون موقفها حازما في تأييد الأمر من عدمه. فيما تتخوّف أوساط مراقبة من أن تكون الحالة اللبنانية نموذجاً يحتذى به للتسليم بمآلات عديدة في المنطقة، لاسيما في سوريا والعراق، لصالح الأجندة الإيرانية المتحالفة مع روسيا - بوتين. وأن طهران لا يمكن إلا أن ترى في نجاح صفقة عون انتصاراً على الخيارات السعودية المضادة في لبنان، وضوءا أخضر يتيح لها المضي في أجنداتها في المنطقة برمتها.

ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً هو مدى قدرة البلد الصغير على ان يحمي نفسه من براكين المنطقة لاسيما تلك تقذف حممها من سوريا، على ما أراد سعد الحريري تقديمه مسوّغاً لاتفاق مع ميشال عون. ومن الأسئلة أيضا عن الراعي الإقليمي والدولي الذي سينصب خيمة تبارك العهد الجديد، طالما أن الرعاة في المنطقة، سواء أتراك أو سوريين أو إيرانيين، وحتى مصريين، غارقون في ملفات بيوتهم، متناقضون في ما بينهم حول شراكة مفقودة لإدارة ملفات الإقليم. ثم ألا يحتاج لبنان إلى رعاية دولية تفتح له منابع المنح والقروض والمساعدات وتشرّع له أسواق العالم؟ ثم هل ممكن للبلد الصغير أن يفرض أمرا واقعا على الكبار، أم أن الجراحة الجارية في كل المنطقة قد تحيل التفصيل اللبناني هامشيا لا تلحظه التحوّلات الكبرى القادمة؟

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
حماس تحل حكومتها: انتصار القاهرة!
2017-09-18
انتصار الأسد ونصرالله وشتائم المعارضة لدي ميستورا!
2017-09-15
حزب الله والجيش اللبناني: الصراع المؤجل!
2017-09-12
سوريا: هل تحتاج التسوية إلى حرب تشنها إسرائيل؟
2017-09-08
مفاجأة واشنطن: ترامب ينقلب على باكستان!
2017-08-25
مفاجآت الأعرجي...
2017-08-18
وزراء لبنان في دمشق: مآلات العهد
2017-08-14
سكون الحريري وضجيج هيلي
2017-08-11
سوريا: هل تعدّ الرياض المعارضة لمقاربة الحل الروسي
2017-08-07
كيف تتحرك الرياض باتجاه العراق؟
2017-08-04
المزيد

 
>>