First Published: 2016-10-30

السندوبي ومقابسات أبي حيان التوحيدي

 

الكتاب يجمع مؤونة عصر كامل من الثقافة يمتد بين القرنين الثالث والرابع الهجريين، حيث يتطرق إلى موضوعات عميقة فلسفيا ومعرفيا.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

إذا كان العمل قاصرا عن العلم كان العلم كلا على العالم

حقق حسن السندوبي ونشر كتاب "المقابسات" لأبي حيان التوحيدي عام 1916 ومنذ ذلك الوقت نشر الكتاب في طبعات متعددة، آخرها الطبعة التي صدرت أخيرا عن دار آفاق، وتأتي أهميته كونه يجمع مؤونة عصر كامل من الثقافة يمتد بين القرنين الثالث والرابع الهجريين، حيث يتطرق إلى موضوعات عميقة فلسفيا ومعرفيا مثل "تطهير النفس باجتناب شهوات الجسد" و"علم النجوم والفلك والنحو والفقه" و"الأخلاق" و"الناموس الإلهي" و"الزمان والمكان" و"الألفاظ والمعاني" و"كتمان السر" و"الحياة والموت"، وغيرها من موضوعات، فالمقابسات عبارة عن المناقشات التي كانت تزخر بها المجالس الثقافية للعلماء والكتاب والأدباء والشعراء، الحريصين على المشاركة بآرائهم في كل علم.

يقول المحقق حسن السندوبي عن أسلوب التوحيد ومنهجه في الكتاب "امتاز أبو حيان من الاضطلاع بصنوف العلوم وأنواع المعارف، وألوان الآداب، وكان من خصائصه احتذاء الجاحظ في التفنن في كل شيء، مطبوعا على ذلك إلى الحد الاقصى، غير أنه أولع بوضع الأحاديث والأسمار، ووقائع التاريخ في الصورة الروائية، فلا يكتفي بإيراد الحادث على ما عرف وتناقله الرواة، بل يعرض له ويرسل عليه صيبا مدرارا من فائض بلاغته، وزاخر بيانه، فإذا هو قصة ذات وقائع وأشخاص وأبطال، تروع إذا مثلت، وتروق إذا قرئت، وتملك المشاعر والقلوب إذا سمعت. ومع ما يدخله عليها من أصباغ، وما يطليها به من ألوان، فهو لا يعدو في النتيجة أن يمثل الحقيقة في أصدق مظاهرها، فهو الكاتب القصصي الماهر الذي أهدته إلينا الإعصار الأول.

وله طبع دافق، وفكر سابق، وعقل فياض بالحكمة وفصل الخطاب. ومن أخص مزاياه أنه يمزج الأدب بالحكمة، والتصوف بالفلسفة، ويولد بين هذا المزيج مذهبا خاصا له لم يسبق إليه، فأنت لا تستطيع أن تنسبه إلى فرقة بعينها من الفرق الإسلامية، ولا إلى مذهب معروف من مذاهب الدين، وإن كان ينتحل مذهب الشافعية، او ينحله الناس إياه، ويميل إلى عقائد المعتزلة وأصولهم".

وحول منزلته ومقامه يضيف السندوبي "كان أبو حيان في ما نقل ياقوت، متفننا في جمييع العلوم. من النحو، واللغة، والشعر، والآداب، والفقه والكلام على رأي المعتزلة، وكان صوفي السمت والهيئة، وكان يتأله والناس على ثقه من دينه. وكان جاحظيا يسلك في تصانيفه مسلك الجاحظ، ويشتهي أن ينتظم في سلكه. فهو شيخ الصوفية وفيلسوف الأدباء، وأديب الفلاسفة، ومحقق المتكلمين، ومتكلم المحققين، وإمام البلغاء. فرد الدنيا الذي لا نظير له ذكاء وفطنة، وفصاحة، ومكنة، كثير التحصيل للعلوم في كل فن، حفظه واسع الدراية والرواية.

وقال ابن النجار: كان صحيح العقيدة. وقد كان تفوقه في العلوم، وتبحره في المعارف، وانتهاجه مناهج الجاهظ، وذهابه مذاهبه في مزج العلوم بالآداب وعرضها في الأساليب البليغة، وتقليبها من الأذهان، في أعلى طبقات البيان، كل ذلك كان سببا في تقربه من الأمراء والوزراء، ومن في طبقتهم من الكتاب والرؤساء.

ومن أجل هذا دعاه الأستاذ الرئيس أبو الفضل بن العميد إليه بالري وصحبه زمنا. وذلك أن ابن العميد كان من المولعين بالجاحظ ولعا شديدا، والمقدرين له تقديرا صحيحا، حتى أنه كان إذا طرأ عليه أحد من منتحلي العلوم والآداب وأراد امتحان عقله سأله عن بغداد، فإن فطن لخواصها، وتنبه إلى محاسنها جعل ذلك مقدمة لفضله، وعنوانا على عقله. ثم سأله عن الجاحظ فإن وجد أثرا لمطالعة كتبه، والاقتباس من نوره، والاغتراف من بحره، وبعض القيام بمسائله قضى له بأنه غرة شادخة في أهل العلم واللآداب، وإن وجده ذاما لبغداد، غفلا عما يجب أن يكون موسوما به من الانتساب إلى المعارف التي يختص بها الجاحظ، لم ينفعه بعد ذلك شيء من المحاسن. وإذا فلا جرما أن أبا حيان قد حاز قصب السبق لدى ابن العميد في حاحظيته".

ويلفت السندوبي في دراسته حول حياة التوحيدي وآثاره ومروياته إلى أن أبا حيان لم يكن ذا حظ من هناء العيش وهدوء البال، بل كان على كثرة من صحب من ذوي السلطان وأصحاب النفوذ في الدولة، بائسا فقيرا، رقيق الحال مشرد الفكر، جم البلابل، فلق الركاب، لا يكاد يستقر في مكان إلا يزعجه أمر إلى ارتياد سواه. دائم التفكير في أهل الدنيا وبما يمرح فيه الجاهلون والمنقوصون ومن لا يساوي منهم شراك نعله، ومن الجاهل العريض، والدنيا المقبلة، والحظ المواتي، والسلطان الكبير والنفوذ العظيم، ومقارنة ذلك بما هو عليه من البؤس والشقاء، وشظف العيش، وتكفف الكريم، واستبداء البخيل واللئيم، على سعة فضله، وإحاطته بما يلهج به الناس من المعارف في وقته، فتثور به ثائرة التحسر على القدر، ويعتوره مرار الغضب على الأيام، فيعلن الشكوى من زمانه ويبكي في تصانيفه على حرمانه.

انظر إليه لقد صحب الوزيرين أبا الفضل ابن العميد والصاحب أبا القاسم إسماعيل بن عباد زمنا فلم يرضياه ولم يبلغاه من الدنيا مناه، تتبع عوراتهما، وتحسس سوءاتهما، ثم أنشأ فيهما كتابا كان سببا في نفور الناس عنه، وتباعدهم منه، لأن الصاحب بن عباد بما كان له من من واسع السلطة والعطايا الدارة على الأدباء والعلماء وأهل الفضل، قد سلط عليه كل ذي لسن وبيان، فتصدوه بالاساءة من سائر نواحيه حتى أخملوا ذكره، وغمروا اسمه، وجعلوه طريدا شريدا لا يأويه حجر، ولا يسكن إلا مدر، وحتى قال ياقوت: ولم أر أحدا من أهل العلم ذكره في كتاب، ولا دمجه في ضمن خطاب وهذا من العجب العجاب".

وحول الاتهامات التي طالت التوحيدي وأبرزها ما رمى به في دينه، يوضح السندوبي "ومن الحق أن أبا حيان قد أوذي من الصاحب في نفسه وشعوره وإحساسه إيذاء لا يصبر عليه أحد، وليس لأبي حيان من سلاح يرد به عادية الظلم عن نفسه، ويشفي به بعض ما كمن في صدره من غل إلا الرجوع إلى القلم يملي عليه مساوئ الصاحب ومخازيه التي رأها رأي العين، والتي سمعها من ثقاته الأمناء، كما يسطر بعض ما وقف عليه من هذا الطراز لابن العميد.

وبهذا وضع من كاهله عبئا باهظا، ونفس عن صدره ضغطا كاد يذهب بصبره. أجل أنه لم يقو، بما صنع، من التخلص من حبائل الصاحب وأشراكه، فقد آخى له أخية ظلت في عقبه حتى أضاعته وجعلته مثلة في أفواه الشيوخ، وكانت تمحو اسمه من صفحات الوجود. لولا أن مثله لا يضيع. فقد حرض عليه من شيوخ الدين من لم يرقب في الله إلا ولا ذمة، فقالوا فيه من الكذب والبهتان ما هو منه براء، ورموه في دينه بما يعلم الله أنهم فيه مفترون، وجاء بعدهم قوم خدعوا بما قاله فيه أولئك الأفكون من صنائع الصاحب، فجاورهم فيما نبذوه به دون فحص ولا بحث، ولا تحقيق ولا تمحيص.

ومن هؤلاء الذي ملأ الصاحب أفواههم بطعامه، وأيديهم بعطاياه، وأرسلهم على أبي حيان ينالون منه ومن دينه، ويمزقون عرضه وأديمه، ابن فارس، فإنه لم يتورع عن أن يكتب في بعض كتبه عن أبي حيان قائلا: كان أبو حيان قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان، تعرض لأمور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل. ولقد وقف سيدنا الصاحب كافي الكفاة على بعض ما كان يدخله ويخفيه من سواء الاعتقاد، فطلبه ليقتله فهرب واتجه إلى أعدائه ونفق عليهم بزخرفه وإفكه، ثم عثروا منه على قبيح دخلته، وسوء عقيدته وما يبطنه من الإلحاد، ويرومه في الإسلام من الفساد، وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح، ويضيفه إلى السلف الصالح من الفضائح، فطلبه الوزير المهلبي فاستتر منه، ومات في الاستتار وأراح الله منه، ولم يؤثر عنه إلا مثلبة، أو محزبة".

ويضيف حول براءته مما رمي به "ولا أدري كيف يجيز إنسان لنفسه الطعن في دين امرئ أو رميه بأقبح الشنع دون أن يقيم على ذلك حجة قاطعة أو برهانا مبينا. مع أن هذا من أشد ما يعرض له مسلم في دين الله، ومن أكبر الكبائر عند لله.

وهذه كتب التوحيدي وآثاره ليس فيها ما يشير إلى ضعف في العقيدة، أو ما يدخل أقل شبهه على استقامة الطريق، وطهارة القلب عن دغل الزندقة أو الإلحاد في الدين. وقد وقع الحافظ الذهبي فيما ائتفكه ابن فارس وغر به فقال عن أبي حيان، من غير روية ولا خوف من الله: كان عدو الله خبيثا، وكان سيئ الأعتقاد. وكذلك ارتطم في هذه الورطة أبو الفرج بن الجوزي فقال في تاريخه: زنادقة الاسلام ثلاثة: ابن الراوندي، وأبو حيان التوحيدي، وأبو العلاء المعري. قال: وأشدهم على الإسلام أبو حيان، لأنه مجمج ولم يصرح. فأما دعوى الذهبي فقد كفانا ابن السبكي الرد عليها وتزييفها، إذ يقول: الحامل للذهبي على الوقيعة في أبي حيان، مع ما يبطنه من بغض الصوفية، هذان الكلامان، ولم يثبت عندي إلا الآن من حال أبي حيان ما يوجب الوقيعه فيه، ووقفت على كثير من كلامه فلم أجد فيه إلا ما يدل على أنه كان قوي النفس مزدريا بأهل عصره، ولا يوجب هذا القدر أن ينال منه هذا النيل.

وأما ابن الجوزي فليس لنا إلا أن نقول: واأسفاه على تلك العقول التي أعدت لخدمة الحقائق فأحالها التعصب حربا على الحقائق، واأسفاه على رجال نصبوا أنفسهم لهدايه الخلق إلى الطريق المستقيم، وإبانة محاسن الاسلام ومفاخر الدين فقطعوا الطريق إلى الله وشوهوا جمال دين الله! أرأيت كيف يتعرض ابن الجوزي لما لم يجزه له العقل ولا الدين ولا الشرائع، فتسرب فيه طوايا الضمائر، وتولج خفايا القلوب واستخرج من سويداوات الأفئدة ما أباح له الحكم بأن أبا حيان كان أشد على الاسلام من سواه! ولماذا؟ لأنه لم يقل شيئا ولم يصرح بشيء! ألا ساء ما يحكمون. الحق أن أبا حيان كان من الدين والتقوى على جانب عظيم، وهذا ابن النجار يقول فيه: كان أبو حيان فقيرا صابرا متدينا، وكان صحيح العقيدة.

يقول التوحيدي في إحدى مقابساته حول أسباب حرقه لكتبه "إن العلم، حاطك الله يراد لعمل، كما أن العمل يراد للنجاة. فإذا كان العمل قاصرا عن العلم كان العلم كلا على العالم. وأنا أعوذ بالله من علم عاد كلا، وأورث ذلا، وصار في رقبة صاحبه غلا، وهذا ضرب من الاحتجاج المخلوط بالاعتذار. ثم اعلم، علمك الله الخير، أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سره وعلانيته: فأما ما كان سرا فلم أجد له من يتحلى بحقيقته راغبا، وأما ما كان علانية فلم أصب من يحرص عليه طالبا. على أني جمعت أكثرها للناس، ولطلب المثالة منهم، ولعقد الرياسة بينهم، ولمد الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله، ولا شك في حسن ما اختاره الله لي، وناطه بناصيتي، وربطه بأمري. وكرهت مع هذا وغيره أن تكون حجة علي لا لي. ومما شحذ العزم على ذلك ورفع الحجاب عنه أني فقدت ولدا نحيبا، وصديقا حبيبا، وصاحبا قريبا، وتابعا أديبا، ورئيسا منيبا، فشق على أن ادعها لقوم يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها، ويتراؤون نقصي وعيبي من أجلها".

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
تفاصيل المشروع الصهيوني لاختراق مصر من 1917 حتى 2017
2017-11-21
سلامة كيلة يؤكد عودة شبح الشيوعية مع الصراع الطبقي وتأزم الرأسمالية
2017-11-20
بدايات الصحافة الفلسطينية في معرض يضم صورا وصحفا وأفلاما وتسجيلات
2017-11-18
محمد بنطلحة: ليس هناك حرب أهلية بين الشعر والرواية
2017-11-17
معاوية إبراهيم يستعرض التاريخ المشترك للأردن وفلسطين
2017-11-16
تشانغ وي: الفوضى والانقسام مصير الصين إذا طبقت النموذج الغربي
2017-11-15
سميح مسعود: جذوري نادتني فكانت ثلاثية 'حيفا بُرقة... البحث عن الجذور'
2017-11-12
عبدالمالك أشبهون يرصد ظاهرة التطرف الديني في الرواية العربية
2017-11-11
باحثون عرب: الخروج بالبحث العلمي الأساسي والتطبيقي العربي من أزمته يحتاج إلى قرار سياسي
2017-11-09
مؤسسة عبدالحميد شومان تطلق جوائزها للابتكار العلمي بقيمة مليون دينار أردني
2017-11-08
المزيد

 
>>