First Published: 2016-11-02

يأس هو الأكثر عتمة في التاريخ

 

عُرف العراقيون بموهبتهم العالية في استخراج الاحزان من أعمق لحظات الفرح.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لا مثيل لليأس العراقي في تاريخ اليأس العالمي.

لقد مرت الشعوب في مختلف أنحاء الأرض في تاريخها بمراحل، كان اليأس فيها هو السمة الوحيدة البارزة، غير أن تلك الشعوب لم تفقد الأمل في التغيير، فكان ذلك الأمل مصدر ثقتها بنفسها وهي تصون وجودها وتصنع مصيرها بقوة ما تبقى لديها من قيم إنسانية.

حدث ذلك في القارة الأميركية الجنوبية، يوم كانت دولها مجرد جمهوريات موز.

وحدث ذلك أيضا في دول أوروبا الشرقية، حين كانت تلك الدول مجرد محميات روسية.

غير أن الأمور بالنسبة للشعب العراقي تبدو مختلفة تماما.

فالمأساة العراقية من وجهة نظر العراقيين ليست من صنع أحد بعينه.

هناك قدر هائل من التفكير القدري في ذلك الاستنتاج الكسول الذي قاد الشعب إلى الدخول في غيبوبة تاريخية. هناك جهة ما في الكون هي المسؤولة عن تصريف شؤون ذلك الشعب وترتيب أحواله، وهو ما يعني أن أي شيء يفعله في هذا المجال لا جدوى منه.

لم يقف العراقيون يوما ما عند الحد الأدنى من الاتفاق على صيانة الثوابت الوطنية التي من شأن بقائها سليمة وقوية أن يحفظ قابلية استمرارهم شعبا موحدا في وطن موحد، يضمهم جميعا، بغض النظر عن اختلافاتهم التي ينبغي لها أن لا تمس الثوابت.

يوم كان النظام الوطني قائما توزعوا بين الموالاة المذلة والخانعة والمنافقة وبين المعارضة التي كانت تعرض كل شيء للبيع مقابل اسقاط النظام واستبداله باي نظام آخر. ولم يكن هناك ذكر للوطن.

ويوم وقعت كارثة الاحتلال الأميركي ذهب البعض في ولائه للمحتل إلى أن يضع طائفة بأكملها تحت بساطيل الغزاة في الوقت الذي قرر البعض الآخر أن يقاوم تحت شعار استعادة الحكم من قبل طائفة، لم تكن في حقيقتها تحكم العراق، غير أن ذلك ما أوهموها به. وكان الوطن منسيا.

وحين أقيم نظام المحاصصة الطائفية برعاية المحتل الأميركي لم تقف إلا القلة ضده، أما الأكثرية فقد كانت تبحث عن حصصها من جثة الوطن.

يأسُ العراقيين لم يهبط عليهم من السماء ولا فرضته قوة عظمى عليهم، بقوة السلاح أو المال أو الدعاية المضللة. بل انبعث ذلك اليأس من تجربة الألم التي لم تتحول إلى خبرة، يمكن الاستفادة منها في اللحظات العصيبة.

لقد عُرف العراقيون بموهبتهم العالية في استخراج الاحزان من أعمق لحظات الفرح. ولم تكن تلك موهبة يُحسدون عليها، إلا من منظور رومانسي، فرديته تجعله يقف في منأى عن البناء الاجتماعي الذي يتطلب وجود روح إيجابية.

حتى في النظر إلى تاريخهم السياسي الحديث لم يكن العراقيون ايجابيين.

كان لديهم دائما عهد بائد، لا يكلفون أنفسهم مراجعته نقديا وبطريقة واعية، بل يكتفون بتوجيه اللعنات إليه وهدم كل ما نتج عنه، من غير أن يقيموا الأشياء التي يقومون بهدمها بطريقة غير واعية.

ومن ذلك أن العراقيين يمتلكون قدرة هائلة على نسيان ما كانوا قد فعلوه من أجل أن تكون تلك العهود البائدة قائمة. ومثلما ينسون بطريقة غامضة فإنهم وبالطريقة نفسها يتذكرون بندم شفاف وخجول لا يلزم أحدا منهم بشيء أن هناك أخطاء قد ارتكبت في الماضي، من غير أن يجعلوا من تلك الأخطاء دروسا، يتعلموا منها شيئا يفيدهم في حاضرهم.

وقد يكون ندمهم على مقتل العائلة المالكة عام 1958 واحدا من أهم الأمثلة في ذلك المجال. فلو كان ذلك الندم حقيقيا لما صمتوا على اعدام الرئيس الراحل صدام حسين، وهو الذي حوكم أمام أنظارهم بطريقة هزلية، مذلة وأعدم بأسلوب انتقامي.

لا يشبه العراقيون في يأسهم الشعوب الأخرى. لا لشيء إلا لأن ذلك اليأس ينبعث من أعماقهم. هو يأس من النفس أولا. فبعد كل هذه السنوات العجاف التي مرت بهم والتي عاثت أثناءها الأحزاب الدينية في البلاد فسادا لم تنخفض شعبية تلك الأحزاب وهي على يقين من أن الشعب الذي أوصلها إلى الحكم، مستعد لدعمها في البقاء في السلطة، برغم كل ما أصابه بسبب سياساتها من قتل وفقر وجهل وعزلة وضياع وذل وعوز وفاقة وحرمان من أبسط الحقوق المدنية.

وما لم يضع العراقيون حدا ليأسهم من أنفسهم، فإن تغييرا حقيقيا وجوهريا في العراق لن يقع، بل سيمضي ذلك البلد المنكوب بناسه إلى الأسوأ دائما. ولن ينفع العراقيين ندمهم المتأخر.

 

فاروق يوسف

الاسم اسماعيل
الدولة الجزائر

قديما اتهم أهل العراق سعد بن وقاص أنه أحدث في الإسلام مالم يكن فكلف عمر بن الخطاب لجنة للتحقيق دون علم من سعد فتبين براءة سعد فلما وصله الخبر وقف متضرعا وقال: اللهم لاترضهم بأمير ولاترض عنهم أميرا، ونحن لانتشفى في أحد ولكن سنن الله لا مرد لها .

2016-11-04

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
أن تنصت قطر لأحلام شعبها
2017-09-23
أكراد الوقت الضائع
2017-09-22
الحفلة الفاشلة مستمرة
2017-09-21
لا تملك الدوحة سرا
2017-09-20
لا أمل في دولة يحكمها لاجئون
2017-09-19
الإرهاب الأقل تكلفة
2017-09-18
على حطام العراق تُقام دولة الأكراد
2017-09-17
بعد الاستفتاء لن يعود الاكراد عراقيين
2017-09-16
معادلة قطر التي لا تستقيم
2017-09-14
العراق باق بإرادة دولية
2017-09-13
المزيد

 
>>