First Published: 2016-11-05

ثقافة الحكم والقبول بالفجائع

 

مشكلة شعوبنا أنها لا تملك فكرة محايدة عن الحكم.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

منذ أن انتهى عصر الاستعمار في العالم العربي وحتى هذه اللحظة لا تزال مشكلة الحكم تثقل المجتمعات العربية بأعبائها التي انطوت وتنطوي على الكثير من الفجائع.

هناك تواطؤ خفي بين تلك المجتمعات وأهل السياسة، حكاما ومعارضة على أن لا يتم التوقيع على عقد واضح الفقرات، يتم من خلاله تفويض الدولة صلاحية تصريف شؤون المجتمع وفق مبدأ العدالة الاجتماعية، المعمول به في مختلف أنحاء العالم.

دائما كان السباق على السلطة يتم بين فئات، لم تكن مستعدة للقبول بإداء مهمات خدمية تذهب منفعتها لصالح المجتمع الذي لم يتعرف عليها قبل صعودها المفاجئ إلى السلطة. في المقابل فإن صعود هذه الفئة أو تلك المفاجئ لا يُواجه من قبل المجتمع بطريقة استفهامية تدور حول حزمة مشاريعها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وهو سلوك سلبي شجع على الانحراف بمفهوم الحكم، بعيدا عن صيغته الوظيفية المؤقتة.

هل افسدت علاقتنا العاطفية بالتاريخ حياتنا؟

كان هناك دائما زعماء تاريخيون، قادة ملهَمون، أبطال مقدسون، أفذاذ مخلصون.

يقع كل شيء في سياق المعجزة وليس هناك ما يشير إلى وظيفة حكومية في الواقع.

حتى حسني مبارك، الذي صعد بالصدفة إلى منصب رئيس الجمهورية في مصر لم يسلم من تأليف الكتب التي الحقه مؤلفوها بسلالات الفراعنة.

صار الرجل فرعونا بالصدفة.

شيء عظيم من الفكاهة السوداء امتزج بطريقة نظرنا إلى الحاكم، بإعتباره هبة الهية. كان الراحل ميشيل عفلق يكرر إن صدام حسين هو هبة السماء للبعث وهبة البعث للشعب.

وفق ما قاله مؤسس حزب البعث العربي الاشتراكي فإن السماء كانت قد تركت شعوب الأرض محرومة من هباتها وخصت الشعب العراقي وحده بهبتها النفيسة.

غير أن عفلق بصراحته في التعبير عن الصفة الإلهية للحاكم العربي كان مباشرا في الاعتراف بأصل الداء الذي أصبنا به ولا يزال ينخر حياتنا بسمومه. لقد بنيت نظرتنا إلى الحاكم على أساس لاهوتي، وهو ما يسر على ذلك الحاكم أن يفسر انفصاله عن الواقع من منطلق الهامي، لا يمت بصلة إلى وظيفته الحقيقية.

وقد يكون مناسبا هنا أن نذكر أن الشعوب العربية التي ضربها إعصار الربيع العربي بفوضاه صارت تسمي تحررها من حكم الاستبداد جحودا، وصارت تحن إلى زمن، كان فيه القائد التاريخي يقودها فيه بما تمليه عليه أحلامه.

لذلك رأى المصريون في عبدالفتاح السيسي صورة من جمال عبدالناصر وروجوا لصورة مزورة تمثله طفلا يصافح ناصر.

وهو السبب نفسه الذي يدفع ببعض العراقيين إلى الإعلاء من شأن زعيم عصابة طائفي مثل نوري المالكي كونه الطاغية الشيعي الذي يتمم مهمة طاغية سني هو صدام حسين، بالرغم من أن الرئيس العراقي الراحل لم يكن سنيا في تفرده في الحكم واستبداده.

وقد لا يكون ذلك الوهم بعيدا عن خيال الليبيين الذين أثبتوا أنهم غير قادرين على إدارة بلادهم بطريقة السخرة التي كان القذافي يديرها بها. كان كل شيء يومها طوع يد الأخ القائد وكانت جماهيريته حاضنة ممكنة لكل أنواع الفوضى.

من جهته فإن علي عبدالله صالح يدرك أنه يحارب شرعية، هي محل خلاف بين قطاعات وفئات الشعب الذي حكمه حوالي ثلاثين سنة.

مشكلة شعوبنا أنها لا تملك فكرة محايدة عن الحكم.

فالحاكم بغض النظر عن طريقة وصوله إلى الحكم لابد أن يتحول حين يمر بخيالها الجمعي إلى كائن مقدس، لا يجوز المساس به.

في خطوة ارتجالية ذهب أنور السادات وهو حاكم أكبر دولة عربية إلى القدس المحتلة ليلقي خطابه الشهير في مبنى الكنيست الإسرائيلي فكان بطلا للسلام.

الشعب الذي فُجع في رؤيته من خلال شاشات التلفزيون وهو يلقي خطابه لم يقرر عزله لأنه اخترق ثوابت الأمة وعبث بمصيرها بطريقة تهريجية.

كانت تلك الواقعة بكل تداعياتها من أعظم تجليات تخلي الشعب العربي عن ارادته.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لو لم تكن جماعة الاخوان لما كان داعش
2017-06-26
الحل في مصر أيها القطريون
2017-06-24
المتغير السعودي واستحقاقات العصر
2017-06-22
جنرالات بعمائم في إيران
2017-06-21
الحفلة الإيرانية قادمة
2017-06-20
الحل هو القضاء على الإرهاب لا إعادة تعريفه
2017-06-19
كذبة الممانعة وسياسة التناقضات
2017-06-18
إيران بلد الخرافات
2017-06-17
حين ينتقم العراقيون من أنفسهم
2017-06-15
هل تنتهي الحرب في سوريا بغياب قطر؟
2017-06-14
المزيد

 
>>