First Published: 2016-11-09

باحثة إماراتية ترصد وتحلل مصطلح المنازع الشعرية عند حازم القرطني

 

عبير الحوسني: أسلوب القرطاجني يتسم بالجدية والشمولية والتكامل في عرض المادة النقدية وأدواتها، واتسمت لغته بالكثافة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

مزيج من المقولات النحوية والمقولات الفلسفية

عالج كتاب "المنازع الشعرية في منهاج البلغاء للقرطاجني" للباحثة الاماراتية عبير الحوسني والصادر عن دائرة الثقافة والإعلام بالشارقة، ووقعت نسخته الأولى ضمن فعاليات ركن التواقيع بمعرض الشارقة الدولي للكتاب في دورته الـ 35، منهاج حازم القرطاجني في كتابه "منهاج البلغاء وسراج الأدباء" الذي تناول فيه القول وأجزاءه، والأداء وطرقه، وأثر الكلام في السامعين، وتعمق في بحث المعاني والمباني والأسلوب.

وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة موزع على أربعة أبواب يسمى كل واحد منها باسم "منهج"، وكل باب أو منهج يتألف من فصول يطلق حازم عليها اسم "مَعْلم" أو "مَعْرف"، وكل فصل تتناثر فيه كلمتا إضاءة وتنوير، ويقصد بالإضاءة بسطًا لفكرة فرعية، والتنوير بسطا لفكرة جزئية ومن العدد من القضايا المهمة المتعلقة بالأدب عامة والشعر خاصة، والتي تطرق إليها "المنازع الشعرية" التي تختلف من شاعر إلى شاعر وتختلف أيضا باختلاف المقاصد والأغراض، فالقضية متعددة الأذواق والأساليب وهي بطبيعتها تتباين بين الشعراء.

وقد رأت المؤلفة أن اهتمام القرطاجني بقضية المنازع بين الشعراء لم يكن له صدى في الدراسات النقدية على الرغم من أهمية القضية، وتساءلت: هل تفرد القرطاجني بطرح قضية المنازع الشعرية دون غيره من النقاد؟

وقالت: "إن قضية كهذه تطرق لها النقاد القدماء عن بعد فتحدثوا عن اتجاهات بعض الشعراء، لكنهم لم يخصصوا جزءا خاصا له، أضف إلى ذلك أنهم لجأوا إلى استخدام مصطلحات وألفاظ كالاتجاه أو المذهب أو الأسلوب وأرادوا به المنزع".

وسعت الباحث الإماراتية في الكتاب إلى بلورة كل ما يتعلق بهذه القضية النقدية "المنازع الشعرية" سواء من جانب المؤلف أو المتلقي وإعادة تنظيم المادة المتعلقة بالمنازع الشعرية وإخراجها أكثر دلالة دولالة ووضوحا.

ورأت أن كتاب القرطاجني من الكتب القيمة ذات الصلة بالأبعاد الفنية العميقة والقضايا الشائكة إضافة إلى الثقافتين اللتين اكتسبهما وشرب فكره وعقله بهما، فالأصول الفلسفية المنطقية تبرز في المادة النقدية التي عالجها في منهاجه وتبرز أيضا في طريقة المنهج والأسلوب الذي تبناه وسار عليه في كتابه فتلك المرجعيات ذات بعد فلسفي مؤازر بالمنطق لا تقبل التناقض بين المقدمات.

ولغويا تخلص الباحثة إلى أنه على الرغم من تعدد الاشتقاقات اللغوية في المعاجم العربية لمعنى كلمة "منزع" حيث جاءت بمعان متعددة فتعني "المذهب، المشابهة، المجاذبة، والنزائع من الخيل التي نزعت أعراق ويقال للمرء إذا أشبه أخواله وأعمامه نزعة عرقهم.." إلا أننا بالجملة نستطيع أن نصل إلى أن المنزع يعني الميل والانجذاب إلى شيء ما، أو المذهب، أو الاتجاه، أو الطريقة".

وقالت إن القرطاجني يعرف المنازع الشعرية بقوله "إن المناذع هي الهيئات الحاصلة عن كيفيات مآخذ الشعراء في أغراضهم، وأنحاء اعتماداتهم فيها، وما يميلون بالكلام نحوه أبدا ويذهبون به إليه، حتى يحصل بذلك للكلام صورة تقبلها النفس أو تمتنع عن قبولها".

إذن فالمنازع تختلف باختلاف الأغراض والمقاصد وهي اتجاه يلتزم به المبدع لرسم خط سيره الأدبي، وهذا الالتزام إنما هو التزام بخط معين أو موقف محدد فالمنازع تكون إما من جهة المضمون أو من جهة الشكل وهي تأتي نتيجة لغرض المرسل من نفس المتلقي فما يترتب على نفسية المتلقي من نتائج إنما تعود أسبابه إلى المنزع الذي يختاره المبدع وهذا ما قصده القرطاجني من قوله "وما يميلون بالكلام نحوه أبدا" وييذهبون به إليه حتى يحصل بذلك للكلام صورة تقبلها النفس أو تمتنع من قبولها، فالمنازع يختلف فيها المبدعون وكذلك حال المتلقين".

ولفتت الباحثة إلى أن المنازع الشعرية ترقى في بعض الأحيان إلى مقام التقاليد الفنية وخير مثال على ذلك بناء القصيدة القديمة والنهج الذي اتبعه معظم الشعراء القدامى في تسلسل موضوعات قصائدهم. لم يغفل القرطاجني أهمية دور المتلقي في منهاجه بل جعله بؤرة كل خطاب شعري، فهو محور يشغل كل مبدع قبل إنجازه للنص وعند شروعه في الكتابة وبعد فراغه منه، فالمتلقي بذلك يصبح عنصرا يترقب لحظة إخراج النص وولادته مقتنعا بأهميته.

وأوضحت الباحثة أهمية الدور الذي يشغله الشعر في توجيه الحياة بوصف عملية مقصودة ناتجة عن وعي وإدراك من قبل الأديب بأهمية ما يينتجه، فالشعر وسيلة تحقق النفع والفائدة من جهة والمتعة الجماليية المقترنة بتحبيب الموضوع للمتلقي وترغيبه أو تنفييره من شييء وترهيبه من جهة أخرى ذلك أن القول الشعري عند القرطاجني لابد وأن يحمل معرفة يسعى المبدع لتبليغها.

وأكدت أن هناك علاقة بين المنازع الشعرية والمحاكاة و التخييل كعنصرين أساسيين، فالمحاكاة لا تعني تقليد النماذج السابقة والنقل الحرفي لما هو موجود بقد ما تعني نفاذ البصيرة إلى الكليات، والتخييل عملية إيهام تهدف إلى إثارة المتلقي إثارة مقصودة، إذن المحاكاة والتخييل لهما بالغ الأثر في توجييه سلوك الجماعة وإنهاض النفوس إلى فعل شيء أو اعتقاده بما يخيل للمتلقي من حسن أو قبح، ولا يتحقق دورهما الوظيفي إلا باعتماد على مبدأ العلاقات والتركيب. إن المنازع الشعرية كمصطلح تقترب في مفهومها لتلتقي مع مفهوم الأسلوب خاصة الأسلوبية الفردية التي تعني بأسلوب كاتب ما وتعمل على تحديد منزعه.

وخلصت الباحثة إلى أن الحقول التي انتقاها القرطاجني وتضافرت فيما بينها لبناء أقسام المنهاج هي "الألفاظ، المعاني، النظم، الأسلوب" وهي بذاتها الحقول التي تدخل في عمق النص: لتكون البنية الكلية التي بدورها تشكل خطابا متماسكا ومنزعا لطيفا تستحسنه نفس المتلقي.

وقد تفرد القرطاجني بوعيه بضرورة التنظير للقضايا النقدية وأهمية الوصول إلى قوانين كلية عامة، لذلك اتسم أسلوبه بالجدية والشمولية والتكامل في عرض المادة النقدية وأدواتها، واتسمت لغته بالكثافة لأنها مزيج من المقولات النحوية والمقولات الفلسفية، موضوعة في قالب من المقولات الشعية مرتكزة على علم البلاغة، فهو لم يضع كتابه لزمن معين، ولم يخص به أهل زمانه وإنما قصد به كل أديب وبليغ ومتلق.

يذكر أن الكتاب أطروحة ماجستير حصلت بها الباحثة على درجة الماجستر من كلية الدراسات الإسلامية والعربية بدبي 2012.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
كتاب صيني يرى أن طريق الحرير عملية تنظيمية واستراتيجية كبرى
2017-08-16
صلاح هاشم يؤكد أن قضايا الفقراء باتت مرضا عنكبوتيا أو سرطانيا متشعبا
2017-08-15
ديوان الحارثي: أفاد منه المتنبي وسرقه أبونواس
2017-08-14
باحثان أردنيان يدرسان ويحققان صحائف أبي الفضل الوليد
2017-08-13
جمال سيدبي يحلل القضايا الفلسفية الكبرى
2017-08-11
أفعى الشاعر الجزائري عزوز عقيل تخضع للدرس الأسلوبي
2017-08-10
القاسمي توقع مذكرة تفاهم مع 'اليونسكو' لتعزيز التعاون الثقافي
2017-08-09
محمد أمين عبدالصمد يؤكد أن الموال القصصي مصدر إلهام السينما المصرية
2017-08-08
العلاقات المصرية السورية من الاندماج والاتحاد إلى الانفصال والافتراق
2017-08-07
حسين نشوان يرصد واقع المرأة وأدوارها في المثل الشعبي الأردني والفلسطيني
2017-08-06
المزيد

 
>>