First Published: 2016-11-10

مصر بين التشويش السياسي والشائعات الالكترونية

 

نشر الشائعات يؤدي إلى التأثير على هيبة الدولة والمؤسسات الوطنية ويتسبب في إثارة المزيد من المشكلات.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد أبو الفضل

في كثير من الدول التي تمر بمراحل انتقالية وأزمات اقتصادية، تتناثر المعلومات المغلوطة، وتكثر الشائعات، ويتزايد اللغط، وهذا أمر طبيعي، لكن أن يكون التشويش السياسي مقصودا، وهدفا رئيسيا، فهذه مسألة تستحق التوقف عندها بمزيد من التفاصيل.

الحكم الذي أصدرته محكمة القضاء الإداري أمس الأول (الثلاثاء)، بشأن رفض طلب الحكومة وقف تنفيذ حكم ببطلان الاتفاقية التي منحت السعودية حق السيادة على جزيرتي تيران وصنافير، يعد دليلا كاشفا على عدم صحة ما تردد، من أن النظام تنازل عن الجزيرتين مجانا. ولن أخوض في الجدل القانوني، فقد تحدث خبراء كثيرون، لكن ما يهمني أن هناك حالة من عدم الثقة في مؤسسات الدولة، واتهامها بالتفريط في بعض الثوابت الإستراتيجية.

سواء كانت عملية التشكيك، عن قصد أو بدونه، هي في النهاية، وسيلة لغاية سلبية، لها تداعيات خطيرة في المستقبل، وإذا كانت ثمة ظروف وتقديرات قانونية كثيرة، تلعب دورا مهما في أي حكم قضائي. ففي حالة الجزيرتين، تجاهل كثيرون الإشارات، التي صدرت من جهات رسمية مختلفة، حول وجود مراحل متعددة للموافقة النهائية على ملكية السعودية، وتأكيدات على ضرورة احترام القضاء المصري، وقرار مجلس النواب، اللذين لهما حق البت في الاتفاقية وتحديد مدى صلاحيتها، القانونية والسياسية.

كل ذلك جرى، ولم تنتبه قطاعات واسعة من معارضي التوقيع على الاتفاقية ومؤيدي نظرية التفريط في الجزيرتين، أن هناك جولات أخرى، واكتفت بإلصاق الاتهامات بالحكومة، للدرجة التي وصفها البعض بـ "العميلة"، ولم تكن موفقة تلك التلميحات التي راجت عقب صدور الحكم الأخير، والإيحاء بوجود دوافع سياسية خلفه، لأن حكم محكمة القضاء الإداري، يسيء للحكومة أصلا.

الحكم يُظهر الحكومة وكأنها لم تُحسن التقدير القانوني والسياسي عند التوقيع على الاتفاقية، كما أن تداعياته السلبية غير مطلوبة، في وقت دعت فيه بعض القوى لمظاهرات تحت شعار "غلاء الأسعار" غدا الجمعة، ما يعزز الخطاب المناهض للحكومة، علاوة على أن قراءة الحكم بالصورة السابقة يلصق تهمة "التسييس" الباطلة بالقضاء الشامخ، الذي يحكم وفقا لوثائق وأسانيد، ولا علاقة للعواطف أو الحسابات السياسية بأحكامه القانونية.

بالتالي، يؤدي نشر الشائعات بهذه الطريقة، إلى التأثير على هيبة الدولة والمؤسسات الوطنية المختلفة، ويتسبب في إثارة المزيد من المشكلات، خاصة أن فئة عريضة، أصبحت تتداول ما يتردد على مواقع التواصل الاجتماعي، من اجتهادات وتكهنات وتخمينات، على أنها معلومات، لا تقبل الشك، الأمر الذي يضاعف المعاناة أمام كثير من الجهات الرسمية. فإذا صمتت، دارت حولها الشائعات، وأُلصقت بها الاتهامات، وإذا تحدثت، بلا حنكة وحكمة وصدق وشفافية، قيل أنها تتحايل وتناور وتراوغ، ثم تجد نفسها داخل نفق عميق، تواجه صعوبات كبيرة للخروج منه.

التشويش الذي تقوم به بعض الدوائر، يتم أحيانا بصورة مجانية، بمعنى عدم وجود مستفيدين ظاهرين، لكن ربما تكون هناك جهات خفية، توظفه وتستثمره، وتجني الكثير من المكاسب السياسية. فعمليات الهدم التي تتم في بنيان بعض المؤسسات، تؤدي على المدى البعيد إلى التآكل، وتقود إلى زيادة الأمراض التي تتولد عن تصاعد جرعة الشائعات، طالما أننا شعب أصبح متقبلا لها، ويسعى إلى ترويجها بلا تفكير.

خلال الفترة الماضية انتعشت هذه البورصة، لأنه مع كل مرحلة مصيرية، تقفز معدلاتها إلى أعلى مستويات لها، وحفلت مواقع التواصل الاجتماعي بحزمة كبيرة من الأكاذيب، التي لو صح بعضها، لدخلت هذه الدولة مرحلة خطيرة من الانهيار، والمشكلة أنه يتم نشرها والترويج لها، ونقلها من الفضاء الالكتروني إلى الواقع الاجتماعي بسهولة، على أنها حقائق، والأدهى أن مخترعيها ومروجيها، يتحدثون بثقة، على اعتبار أن ما يمتلكونه من خرافات، لا يأتيه الباطل أبدا.

خذ عندك شائعة تسريح 2 مليون موظف من العاملين في الهيئات المختلفة للدولة، حيث استغل البعض حالة الاحتقان المجتمعي، بسبب قرارات الإصلاح الاقتصادي، وانعكاساتها على الحالة العامة للناس، وتمكنوا من نشر هذه الشائعة، بعد أن تمت الموافقة على قانون الخدمة المدنية، وعقب التوصل إلى تفاهمات مع صندوق النقد الدولي، للحصول على قرض بقيمة 12 مليار دولار، وهي من العوامل التي ساهمت في تهيئة البيئة، وإيجاد مناخ موات لنشر الشائعة على نطاق واسع.

الأخطر أن هناك فئة من المثقفين، تتحدث وكأنها احتكرت الحقيقة كاملة، ولا تتورع عن نشر أكاذيب وافتراءات، وترددها على أنها تلقتها من مصادر خاصة عليمة ومجهولة، ربما يكون هناك محظوظون وقريبون من جهات تمدهم بما تيسر من معلومات، لكن المشكلة تكمن في الترويج لأشياء خاطئة، قد يكون أحدنا شاهدا عليها أو جزءا منها وعلى دراية تامة بتفاصيلها، مع ذلك يرددها البعض على نطاق واسع بلا حياء.

أحدهم، كتب على موقع التواصل الاجتماعي (فيسبوك) أن كاتبة كبيرة، جرى وقفها عن الكتابة في صحيفة كبرى، بعد صدور تعليمات من جهة عليا بذلك، وتسابق تابعوه على صفحته، في تقديم مزيد من الأكاذيب والتحليلات البعيدة عن الواقع، والتي قطع أصحابها أنها صحيحة، وكلها تدور في الفلك الذي وضع لبنته الأولى مثقف، كنا نحسب أنه على قدر من التريث والاتزان، ويجتهد لوضع الأمور في نصابها الصحيح، أو على الأقل يحاول الوصول للحقيقة من مصادرها، ويتواضع قليلا، ولا يسرح بخياله وينشر أكاذيب، لأن الجهة العليا التي قصدها، ليس لديها رفاهية تحديد من يكتب ومن يتوقف أو يتقدم، وفي هذا السياق هناك معلومات كثيرة ومثيرة، سوف أقوم بكتابتها، عندما يحين أوانها.

نحن في مرحلة، لا تحتمل زيادة جرعة الشائعات، ولا تشخيص الأزمات، فالأولى مدمرة، وتؤثر على بنيان المجتمع وقواعده الرئيسية، والثانية أصبحت معروفة ومحفوظة. نحن نحتاج إلى إعادة الاعتبار لمؤسسات الدولة والثقة فيها، ونساعدها على أن تنهض من كبواتها، وتتطهر من كل ما لحق بها من مفاسد، والعمل على تقديم حلول واقعية تُوقف نزيف المشكلات، فعندنا ما يكفي من مُنظرين وخبراء ومعلقين ومحللين في مجال التشخيص، ونفتقر إلى من يساعدنا على تحديد سبل العلاج.

 

محمد أبو الفضل

 
محمد أبو الفضل
 
أرشيف الكاتب
مصر تخلع حماس من قطر
2017-09-21
فرصة حماس الثمينة
2017-09-14
الحل السياسي البعيد في سوريا
2017-09-07
مصر من الانكفاء إلى الانخراط
2017-08-17
الرياضة مُفسدة للعلاقات العربية
2017-08-10
التضخم المعنوي.. نموذج بشري وقطري
2017-08-03
تفكيك الخطاب التركي
2017-07-27
لغز الليونة المصرية مع حماس
2017-07-20
3 دروس أميركية من الأزمة القطرية
2017-07-13
قطر من الإيحاء بالتفاوض إلى السلبية
2017-07-06
المزيد

 
>>