First Published: 2016-11-13

الإعلام الخاسر الساخط

 

الجمهور علّم وسائل الإعلام وكتابها المحترفين 'الدرس الترامبي' ليمنحها الفرصة الأهم في زمن التواصل الاجتماعي لإعادة النظر في المحتوى الواثق من نفسه أكثر مما ينبغي.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

بعد ما يبدو وكأنه أسوأ الانتخابات الرئاسية الأميركية طبعا ومزاجا على الإطلاق، ثمة أشياء سخيفة هزت العالم وجعلت منه مكانا مخيفا ومربكا في الوقت الحالي، من التصويت إلى بريكست حتى انتخاب ترامب.

يُصرّ بعضهم على أن الذين صوّتوا لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فقط لهم الحق في تفسير معنى النتيجة، وهذا التفسير يضع بلا شك وسائل الإعلام البريطانية في خانة الخاسر لا محالة، لأن تفسير البقاء الذي تبنته وسائل الإعلام وفشل، لم يعد يقنع الناس.

مثل تلك الأشياء كانت قد حدثت في العالم العربي منذ احتلال العراق عام 2003 من دون أن نشعر بسخافتها إلا بعد أن سقطنا في هوّة “الربيع العربي”.

وبالنسبة للكثيرين في العالم، إن الذي حدث وآخره فوز دونالد ترامب في الانتخابات الرئاسية الأميركية، هو شكل من أشكال الانتقام من وسائل الإعلام، وبالنسبة إلى آخرين هو فشل المدارس الإعلامية في صناعة الرأي والتأثير على مزاج الجمهور.

لقد بدأت كبرى وسائل الإعلام في العالم منذ مساء الأربعاء الماضي وتحت إدارة كبار الخبراء في رغبات الجمهور والمنظرين وواضعي الخطط، بدأت تلعب دور الخاسر الساخط قبل أن تخسر فعلا هيلاري كلينتون، بوصفها خيارا عقلانيا وواقعيا وأمينا.

لكن الخبراء أنفسهم غير قادرين على الدفاع عن خيارهم العقلاني هذا، أو على الأقل توقع حدوث الخيار الآخر، عندما بدأ الناخبون ينقلبون على أنفسهم بشراسة، بينما وسائل الإعلام احتفظت باسطوانتها القديمة، من دون أن تعير انتباها إلى تغير الأمزجة لدى الناس الذين لم يعودوا يستمعون إلى العزف الإعلامي المكرر والمكشوف، الجمهور صنع معزوفته عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يعد يثق بما يسمى موضوعية وسائل الإعلام، التي باتت مطالبة اليوم بالاعتراف بأنها عاجزة عن التأثير على رغبات وآراء الناس.

صحيفة مثل فايننشال تايمز كانت تترقب قبل خمسين يوما من التصويت ما أسمته النهاية الوشيكة التي تمكن دونالد ترامب من تحقيق أكبر مصدر للإزعاج في التاريخ الأميركي، من دون أن تفقد اطمئنانها على فوز كلينتون!

بينما شبه الكاتب إدوارد لوس نوعين من التهديد سواء بفوز ترامب أو هيلاري، واحد حيث دب يقتحم مقصورتك، والآخر حيث النمل الأبيض يأكلها من الداخل، لكنه لم يلتفت إلى دوره كصحافي في طبيعة ذلك التهديد!

صحافي على درجة من الأهمية مثل سايمون سياما كتب قبل أيام من واشنطن وكأنه قرأ المزاج الأميركي العام بيقين، جملا مثل “أيا كان حجم الانتصار الذي ستحققه كلينتون، وما الذي يمكن أن تفعله الرئيسة لنقل أميركا مرة أخرى بعيدا عن حافة الخلاف، فإن ما يدل على قوة صنع الخرافة في حملة ترامب هو أن تعويذتها الختامية هي التزوير والتلاعب في الانتخابات من خلال الاحتيال على الناخبين”.

بينما زميله جون أوثرز من لندن يكتب “دونالد ترامب لن يكون الرئيس، وحتى هو سيضطر إلى قبول ذلك”.

لكن الجمهور علّم وسائل الإعلام وكتابها المحترفين “الدرس الترامبي” ليمنحها الفرصة الأهم في زمن التواصل الاجتماعي لإعادة النظر في المحتوى الواثق من نفسه أكثر مما ينبغي.

كاتبة في صحيفة الغارديان اعترفت بشكل متأخر صباح يوم الصدمة، بأن كل استطلاعات الرأي كانت خاطئة، “لأننا مهووسون بتوقع الآراء بدلا من الاستماع إلى أصحاب الآراء أنفسهم”.

ونشرت لاحقا وكالة أسوشيتد برس الأميركية تقريرا إخباريا مفاده أن التنافس الحاد الذي طبع السباق الرئاسي نحو البيت الأبيض، أشبه ما يكون بمادة تلفزيونية مشوقة، ومثل درسا قاسيا للصحافيين لكي يتفادوا القفز إلى النتائج.

حتى الذين توقعوا ورغبوا بفوز ترامب لم يستطيعوا التخلص من الضغط الإعلامي المسبق لأنه أوحى للعالم بأن النتيجة حسمت في غرف تحرير الأخبار، وليس في المزاج المتغير للناخبين. وهذا ما دفع وزير العدل الألماني هايكو ماس للتعبير عن قلقه بالقول “إن العالم لن ينتهي بانتخاب ترامب، ولكنه سيزداد جنونا”.

النائب البرلماني الروسي فيتالي ميلونوف، صرح لصحف بلاده بأن هيلاري ساحرة لعينة، حتى أن شخصا مثيرا للسخرية مثل ترامب أفضل منها.

بالنسبة إلى الكاتب إدوارد لوس الذي عاش في الولايات المتحدة على فترات منذ نهاية القرن الماضي، هذا هو العام الذي بدأ فيه تلاشي حس الديمقراطية، فالغراء الذي يربط الناس ببعضهم وهو حيوي جدا بالنسبة إلى أي مجتمع حر، آخذ في التفكك.

مهما يكن من أمر، فإن الذي حدث في بريطانيا والولايات المتحدة والذي سيحدث لاحقا، هو نوع من الصحوة، وأيا كان ما سيحدث، ستستمر الحرب، وإن الفكرة القائلة بأن وسائل الإعلام أول من يدخل ميدان القتال وآخر من يغادره لم تعد صالحة في زمن مواقع التواصل الاجتماعي.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
عرض مسجد للبيع
2017-11-14
الكاتب الكبير عند وكالة رويترز
2017-11-12
تمارض هنا، ومريض ويعمل هناك
2017-11-07
عدسة كوبيرن الصحافية غير رؤية ماثيو للعالم العربي
2017-11-05
نايبول ونكهة طعام نظيرة
2017-10-31
الحكومات تريد أن تبقي الصحف على قيد الحياة
2017-10-29
الرجل كسول، ماذا عن المرأة؟
2017-10-24
الصحافة جبانة قبل أن تكون شجاعة
2017-10-22
إليسا ليست مطربة
2017-10-17
نكبة الإعلام في العراق
2017-10-15
المزيد

 
>>