First Published: 2016-11-13

الهجمة الايرانية على لبنان

 

ظريف جاء الى لبنان من موقع قوّة عائد أساسا الى الرغبة الاميركية في عدم ازعاج ايران.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

ملفتة، في هذه الايام، الهجمة الايرانية على لبنان. رافق الهجمة تهافت للنظام السوري على بلد خرج قبل سنوات عدة من تحت وصاية دمشق. هل هو حنين الى تلك الايّام التي لا يمكن ان تعود يوما؟

تعكس الهجمة الايرانية رغبة في البحث عن انتصار ما بمجرد ان العماد ميشال عون صار رئيسا للجمهورية. كانت هناك، حتّى، رغبة إيرانية في حضور وزير الخارجية محمّد جواد ظريف جلسة انتخاب عون رئيسا. لكنّ جهات لبنانية استطاعت تفادي ذلك، مستخدمة اللباقة. اكتفى ظريف بالمجيء الى بيروت لاحقا للتهنئة بانتخاب رئيس جديد للجمهورية، بعدما بقي الموقع شاغرا سنتين ونصف سنة بسبب ضغوط إيرانية ولا شيء آخر. هل على لبنان ان يفرح بافراج ايران عن الرئاسة أخيرا؟

كان يمكن لزيارة ظريف ان تثير الارتياح لو ترافقت مع تغيير في نظرة ايران الى لبنان بصفة كونه دولة عربية سيّدة مستقلة تقف على مسافة واحدة من كلّ دول المنطقة، لكنه دولة عربية اوّلا. لبنان لديه مصالح مع العرب قبل ايّ شيء آخر، خصوصا مع دول الخليج. من يعمل على ضرب هذه المصالح، يخدم عملية نشر الفقر والبؤس في لبنان من اجل تسهيل عملية وضع اليد عليه بعد تهجير اكبر عدد من مواطنيه، خصوصا المسيحيين.

لذلك، يمكن القول انّه حسنا فعل الرئيس المنتخب عندما ذكّر في خطاب القسم ان لبنان ملتزم ميثاق جامعة الدول العربية والقوانين الدولية، أي انّه ملتزم في طبيعة الحال المحكمة الدولية التي تنظر في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري. هذه المحكمة، هي في نهاية المطاف، نتاج قرار صادر عن مجلس الامن التابع للأمم المتحدة.

بكلام أوضح، لا معنى لأي زيارة يقوم بها مسؤول إيراني من أي مستوى كان للبنان من دون إعادة نظر إيرانية في سياسة لم تجلب سوى الويلات على البلد الذي عانى طويلا من السلاح الفلسطيني وسلاح الميليشيات المتنوعة المشارب والذي لا يزال يعاني من السلاح الايراني، أي سلاح "حزب الله".

هذا الواقع يقود الى التساؤل هل في استطاعة ايران ان تكون دولة طبيعية وان تنطلق من الافراج عن الانتخابات الرئاسية اللبنانية كي تعيد النظر في تعاطيها مع البلد ونظرتها اليه؟

لدى طرح الموضوع المرتبط بعلاقة لبنان بايران، فانّ الميل الطبيعي هو الى التشاؤم. يعود الميل الى التشاؤم الى طبيعة النظام الايراني القائمة على تصدير ازماته الداخلية الى خارج اوّلا ثمّ الى اعتقاده انّ ايران قوة عظمى تستطيع لعب دور مهيمن في المنطقة. يدلّ على ذلك التورط الايراني في كلّ ما من شأنه اثارة الغرائز المذهبية في كلّ دولة عربية من دول الخليج، إضافة الى دول المشرق العربي. ماذا فعلت ايران وما زالت تفعل في البحرين؟ ماذا فعلت في الكويت؟ ماذا تفعل في اليمن؟ ماذا تفعل في العراق؟ ماذا تفعل في سوريا؟ ماذا تفعل في لبنان؟ من تشجّع وتدعم في فلسطين؟

اذا اخذنا كلّ بلد من هذه البلدان وحده، نجد ان التدخل الايراني يلعب دوره في تأجيج الصراعات المذهبية والطائفية وخلق بؤر للتوتر في حين انّه كان في استطاعة ايران منذ العام 1979، تاريخ نجاح الثورة على الشاه، التصرف بشكل مختلف يساعد في تكريس الاستقرار في المنطقة كلّها ونشر الازدهار فيها.

مؤسف ان شيئا من ذلك لم يحدث. على العكس من ذلك، استثمرت ايران في كلّ ما من شأنه تخويف جيرانها وحتّى الدول البعيدة عنها مثل لبنان. لا يحتاج لبنان الى دعم من دولة يفتخر المسؤولون فيها بانّهم صاروا يسيطرون على اربع عواصم عربية هي بغداد ودمشق وبيروت وصنعاء.

ما هذه السيطرة التي لم تؤد سوى الى خراب بغداد ودمشق بعد تغيير طبيعة المدينتين والى حصار صنعاء وجعل بيروت تعاني يوميا من توقف أي مشروع انمائي فيها منذ اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في الرابع عشر من شباط ـ فبراير 2005. لم يعد سرّا من اغتال رفيق الحريري ومن نفّذ الاغتيالات الأخرى بهدف اخضاع لبنان ونقله من الوصاية السورية ـ الايرانية الى الوصاية الايرانية.

كان يمكن لزيارة ظريف لبيروت توفير فرصة كي تثبت ايران انّ لديها ما تقدّمه للبنان باستثناء المتاجرة به من اجل عقد صفقات مع "الشيطان الأكبر" الأكبر ولاحقا مع "الشيطان الأصغر" الإسرائيلي.

ليس سرّا ان ورقة رئاسة الجمهورية من الاوراق التي استخدمتها ايران طوال سنتين ونصف سنة من اجل القول انّها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي بلد من بلدان المنطقة، خصوصا في لبنان. اكثر من ذلك، ارادت القول انّ لبنان ليس سوى محميّة إيرانية وانّها قادرة على التفاوض مع الولايات المتحدة في شأنه.

حسنا، أفرجت ايران عن رئاسة الجمهورية لاسباب تعود الى تطور العلاقة بينها وبين "الشيطان الاكبر". يبدو "الشيطان الأكبر" مستعدا للسماح لايران بممارسة كلّ نشاطاتها العدوانية في المنطقة حماية للاتفاق النووي الذي يعتبره باراك أوباما الإنجاز الوحيد لادارته في مجال السياسة الخارجية.

هل تتغيّر الامور في عهد دونالد ترامب الذي لا يؤمن بالاتفاق النووي مع ايران ويعتبره "سيّئا"؟

جاء ظريف الى بيروت مستقويا بان الميليشيات الايرانية في حلب ومحيطها تتحرّك بغطاء جوي روسي، فيما تتحرّك الميليشيات التابعة لإيران في العراق، المسمّاة "الحشد الشعبي" بغطاء جوّي أميركي.

خلاصة الامر ان ايران دخلت في شهر عسل مع "الشيطان الأكبر" وهي تستقوي به حاليا. يمكن ان تتغيّر الامور بعد خروج باراك أوباما من البيت الأبيض في غضون شهرين. لكنّ ما لا بدّ من الاعتراف به انّ ظريف جاء الى لبنان من موقع قوّة عائد أساسا الى الرغبة الاميركية في عدم ازعاج ايران. هل يكمل معروفه مع لبنان الذي كان دائما صديقا للولايات المتحدة والسياسة الغربية فيفرج عنه مثلما افرج عن الرئاسة؟

مثل هذا التطور على صعيد العلاقة مع لبنان، حيث إصرار شديد من رئيس الجمهورية ومن رئيس الوزراء المكلّف على العلاقات مع الدول العربية الأخرى، خصوصا تلك التي يتشكل منها مجلس التعاون لدول الخليج العربية، سيساهم الى حدّ كبير في تحسين صورة ايران لدى اللبنانيين عموما.

بكلام أوضح، ان مثل هذا الافراج الايراني عن لبنان الذي يمكن ان يبدأ بسحب مقاتلي "حزب الله" من الأراضي السورية ووقف الحزب تهديده للعرب الذين يزورون لبنان، سيشكل افضل هدية للعهد الجديد. سيظهر ذلك قبل كلّ شيء ان ايران لا تستخدم علاقتها الطيّبة مع الولايات المتحدة والتي توجت بالغطاء الجوي الاميركي لـ"الحشد الشعبي" في معركة الموصل، للتدمير فقط. على العكس من ذلك، ان الافراج عن لبنان، في انتظار اليوم الذي لا يعود فيه سلاح غير شرعي على أراضيه، اكان لـ"حزب الله" او غير "حزب الله" من منظمات فلسطينية تابعة للأجهزة السورية، سيصبّ في نهاية المطاف في مصلحة ايران وفي مصلحة انصرافها الى الاهتمام بالايرانيين ورفاههم. سيكون ذلك دليلا على انّها دولة طبيعية تقف على مسافة واحدة من جميع اللبنانيين وليست طرفا في كلّ النزاعات الإقليمية من دون استثناء.

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
لغز ايمانويل ماكرون
2017-04-26
قصّة ملك... ورئيس لنظام
2017-04-24
إيران تردّ على اميركا في لبنان!
2017-04-23
بين صعود تيريزا مي... وهزالة فرنسا
2017-04-21
ما اشبه اليوم بالبارحة في ايران
2017-04-19
تأخّرت معركة الحديدة... ام لم تتأخّر
2017-04-17
ساعة الحقيقة تقترب في سوريا
2017-04-16
وصيّة سمير فرنجية
2017-04-14
استهداف مصر مرتبط بالردّ الاميركي
2017-04-12
من ضياع الجولان... الى ضياع سوريا
2017-04-10
المزيد

 
>>