First Published: 2016-11-13

في غباء الديمقراطية

 

ما حدث في الولايات المتحدة إثر انتخاب ترامب رئيسا هو بمثابة جرس انذار للتذكير بأن الديمقراطية في حاجة إلى أن تجدد نفسها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

في مقابل الاستبداد كيانا مغلقا على نفسه كانت الديمقراطية حلا ناقصا ولكنه الحل الذي يكفل أوسع مشاركة في اختيار ممثلي الإرادة الشعبية في الحكم والمؤسسات التشريعية.

تضمن الديمقراطية للأكثرية أن تحكم المجتمع بمزاجها في لحظة من لحظات تحوله الذي لن يرقى دائما إلى مستوى اليقين الثابت. هناك دائما ما لا يمكن توقعه.

في الرهان الديمقراطي الكثير من المغامرة غير المحسوبة، وهو ما يدفع بالكثير من الناخبين أن يعرضوا عن المشاركة في الاقتراع، من غير أن يملكوا سببا سوى اليأس أو الضجر.

وإذا ما عرفنا أن الأغلبية لا يهمها أن تضع ارادتها في خدمة جهة موثوق بها، ففي السياسة لا وجود لمثل تلك الثقة، فإن الديمقراطية قد تقدم هبات مجانية لمَن لا يستحقها، بسبب العشوائية التي تمارسها تلك الأغلبية في التصرف بأصواتها.

في هذه الحالة يُكتشف نوع من العمى الديمقراطي الذي يؤدي إلى وقوع كوارث، من نوع أدولف هتلر في المانيا وجورج بوش الابن في الولايات المتحدة وساركوزي في فرنسا وبرلسكوني في إيطاليا ومن بعدهم محمد مرسي في مصر.

بالتأكيد كانت الديمقراطية هي السبب.

ومع ذلك فلا بديل ممكن حاليا للديمقراطية إلا الاستبداد، وهو ما صارت المجتمعات تنأى بنفسها بعيدا عنه. وقد يرى البعض أن الديمقراطية هي الأخرى تنطوي على نوع من الاستبداد، وهو استبداد الأكثرية التي غالبا ما تتكون من طبقات وفئات غير مؤهلة للتمييز بين الصالح والطالح، وهي في ذلك إنما تتبع أهوائها التي غالبا ما تنتج عن عمليات التضليل والخداع التي يمارسها السياسيون ببراعة.

غير أن ذلك الاستبداد لن يكون شموليا ودائما. هذه واحدة من أهم مزايا النظام الديمقراطي. إذ لا يمكن اختزال الديمقراطية بصناديق الاقتراع، ذلك لأنها نظام اجتماعي يعتمد مبادئ الشفافية والمصارحة وعدم إخفاء الحقائق والمحاسبة والرقابة وهو ما يؤدي إلى تضييق حدود الفساد إلى درجة معقولة.

سيُقال دائما إن منافع الديمقراطية أكثر من أضرارها. لا من أجل القبول بها حلا فنحن لا نملك سواها، بل من أجل التخفيف من عبء القهر الذي تشعر به الأقلية التي أهدرت الديمقراطية ارادتها.

في الولايات المتحدة، وهي أم الديمقراطيات الحديثة بكى المتظاهرون لأن الديمقراطية انحازت إلى دونالد ترامب وعملت من رجل أعمال رئيسا.

بالنسبة لأولئك المتظاهرين فإن ترامب يمثل الخيار الأسوأ.

هذه هي المرة الأولى في التاريخ التي يحتج فيها الأميركيون على الديمقراطية في بلادهم. فالأميركي إذا لم يجد شيئا يفاخر به الآخرين فإن الديمقراطية هي مادته الجاهزة التي يمد يده إليها في محولته التفوق على الآخرين.

هل وصل الأميركيون في ديمقراطيتهم إلى طريق مسدودة؟

ربما ما حدث في الولايات المتحدة إثر انتخاب ترامب رئيسا هو بمثابة جرس انذار للتذكير بإن الديمقراطية في حاجة إلى أن تجدد نفسها. لم يعد حكم الأغلبية إلا مجرد واجهة شعبية، يقدم المجتمع فيها أسوأ ما لديه من بضاعة سياسية. وهو ما يمكن أن يشكل خطرا على وحدة المجتمع.

من المؤكد أن ترامب سيستجيب لقواعد اللعبة حين يبدأ فترته الرئاسية، مانحا الأميركيين كلهم شعورا بأنه رئيسا لهم. غير ان ذلك لا يعني شيئا قياسا لحلم الأقلية في أن تكون الولايات المتحدة أفضل في المستقبل.

لقد حطمت الديمقراطية بغبائها ذلك الحلم.

سيُقال دائما إن ديمقراطية غبية أفضل من استبداد ذكي.

وهو ما لا يمكن القبول به دائما. ذلك لأن الخيال السياسي للإنسان لن يقف عاجزا أمام محاولة اختراع خيار ثالث، وإن كان الاستبداد لا يشكل خيارا، إلا في طار الثقافات القديمة ومنها الثقافة الدينية.

لقد صدم الاميركيون العالم بغباء ديمقراطيتهم، غير انهم فاجأوا العالم بصدمتهم بسبب ما حدث لهم.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
سلطة الأمر الواقع وخيارات اليأس
2017-04-30
آن لقطر أن تلتفت إلى وجودها
2017-04-26
بين الزرقاوي واركون
2017-04-25
الخوف من الوطن
2017-04-24
هل ستفلت إيران من عاصفة ترامب؟
2017-04-23
نصيحة الحكام
2017-04-22
حصاد سنوات الصمت
2017-04-20
غد لمَن لا غد له
2017-04-19
اردوغان المرضي عنه غربيا
2017-04-18
سوريا بين الأهل والغرباء
2017-04-17
المزيد

 
>>