First Published: 2016-11-14

'تسميم' ياسر عرفات... هروب الى امام

 

استخدام ذكرى وفاة ياسر عرفات لتصفية حسابات فلسطينية ـ فلسطينية يكشف حالا من الانسداد السياسي على كلّ صعيد.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: خيرالله خيرالله

لا يمكن للكلام عن ان ياسر عرفات، الزعيم التاريخي للشعب الفلسطيني، توفّى اغتيالا ان يخفي الحقيقة المرّة المتمثلة في انّ القضية الفلسطينية تمرّ في ازمة عميقة. تعود هذه الازمة الى أسباب داخلية مرتبطة بأزمة حركة "فتح" وقيادتها من جهة وللتغييرات التي حصلت في المنطقة والعالم من جهة أخرى. لم يعد صحيحا ان القضية الفلسطينية هي القضية الاولى عربيا، كما لم تعد موضع اهتمام عالمي، إضافة بالطبع الى ان إسرائيل التي تؤمن باستمرار الاحتلال ومتابعة الاستيطان في وضع اكثر من مريح. من يبحث عن دليل جديد على ذلك، يستطيع العودة الى زيارة رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف للقدس المحتلة وطبيعة الاتفاقات التي وقعها خلال الزيارة. اكدت الاتفاقات عمق العلاقة القائمة بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو وكلّ من الرئيس فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء ميدفيديف الذي ليس سوى موظف لدى الرئيس الروسي يحرّكه كيفما شاء.

قبل كلّ شيء، ان كلّ كلام عن ان "أبو عمّار" اغتيل لا يمتّ للواقع بصلة، بل هو كلام اقرب الى المزايدات من ايّ شيء آخر. جاءت نتيجة التحاليل التي أجريت في فرنسا، حيث فارق الزعيم الفلسطيني الحياة في احد المستشفيات القريبة من باريس لتؤكد ان وفاته اكثر من طبيعية. فضلا عن ذلك، ليس صحيحا ان لجنة التحقيق الفلسطينية في الوفاة استطاعت الحصول على أي دليل ملموس على "تسميم" الرجل في اثناء وجوده في مقره في رام الله تحت الإقامة الجبرية بين اواخر 2001 و2004.

كلّ ما في الامر ان هناك محاولة واضحة، في الذكرى الثانية عشرة لوفاة ياسر عرفات، لاستخدام قضية "التسميم" لتغطية الصراعات القائمة داخل "فتح" وحال الجمود التي تعاني منها القضية الفلسطينية في ظل انقسام داخلي بين السلطة الوطنية و"حماس" المتربصة بها وبالضفّة الغربية.

من يعرف ياسر عرفات، ولو قليلا، يعرف أيضا انّه كان رجلا مريضا منذ ما قبل وضعه في الإقامة الجبرية في "المقاطعة"، بل منذ ما قبل عودته الى الأرض الفلسطينية في العام 1994، بعد توقيع اتفاق أوسلو في حديقة البيت الأبيض والمصافحة التاريخية بينه وبين اسحق رابين.

في الواقع، اخذت المتاعب الصحية لـ"أبو عمّار" تتضح اكثر فاكثر منذ سقوط طائرته في الصحراء الليبية في الثامن من نيسان ـ ابريل 1992 وخضوعه بعد ذلك لعمليات جراحية عدّة في الرأس نتيجة الرضوض التي تعرّض لها. وقد اجري معظم هذه العمليات في الأردن برعاية من الملك حسين، رحمه الله، واشراف مباشر من الطبيب الخاص بالزعيم الفلسطيني.

استغلّ ارييل شارون، الذي اصبح رئيسا للوزراء في ربيع 2001، احداث الحادي عشر من أيلول ـ سبتمبر لينقضّ على ياسر عرفات الذي ارتكب خطأ كبيرا عندما شجّع على عسكرة الانتفاضة الفلسطينية الجديدة التي اندلعت اثر زيارة شارون للمسجد الأقصى في خريف العام 2000.

ادّت محاصرة إسرائيل لـ"المقاطعة" الى التعجيل في تدهور صحّة الزعيم الفلسطيني الذي تعرّض مقرّه لقصف مدروس. انتهى الامر بنقله الى فرنسا لمعالجته. وقد امضى في المستشفى نحو أسبوعين، وما لبث ان فارق الحياة لأسباب وردت في التقرير الطبي الذي صدر عن المستشفى الفرنسي واسمه فال دو غراس.

لم يعد الموضوع المطروح حاليا في المجال الفلسطيني موضوع الأسباب التي أدت الى وفاة ياسر عرفات او انجاراته. وحده التاريخ سيحكم على الرجل الذي وضع من دون شكّ القضية الفلسطينية على خريطة الشرق الاوسط ودفن في رام الله، أي على مرمى حجر من القدس التي حلم دائما ان يرقد جثمانه فيها.

وحده التاريخ سيحكم ايضا على الأخطاء التي ارتكبها الزعيم الفلسطيني الراحل اكان ذلك في حق الأردن ثمّ لبنان، ثمّ الكويت او في حق القضية نفسها وذلك عندما رفض العرض الذي قدمه له رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك بحضور الرئيس بيل كلينتون في كامب ديفيد صيف العام 2000.

ربّما كان "أبو عمّار" على حقّ في رفض العرض الذي جاء به باراك، ولكن ما الذي يبرّر رفضه الموافقة على الاتفاق ـ الاطار الذي طرحه كلينتون قبل نهاية عهده في آخر يوم من السنة 2000؟

أدى هذا الرفض الى قطيعة مع الإدارة الاميركية الجديدة التي كان على رأسها جورج بوش الابن. ما لبثت الولايات المتحدة ان أغلقت أبواب واشنطن في وجه الزعيم الفلسطيني الذي لم يعرف كيف التصرّف بعد احداث أيلول ـ سبتمبر 2001، أي بعد "غزوتي واشنطن ونيويورك" اللتين نفذتهما "القاعدة".

في كلّ الأحوال، تبدو اثارة قضية "تسميم" ياسر عرفات اقرب الى عملية هروب الى امام من ايّ شيء آخر. انّه هروب من الواقع المتمثل في الحاجة الى إعادة اللحمة الى "فتح"، بكل قواها الحيّة، وليس تقسيم الحركة تمهيدا لالغائها واخراجها من المعادلة الفلسطينية.

لعلّ اخطر ما في الامر ان استخدام ذكرى وفاة ياسر عرفات لتصفية حسابات فلسطينية ـ فلسطينية يكشف حالا من الانسداد السياسي على كلّ صعيد. لم يعد من وجود للسلطة الوطنية الفلسطينية بعدما الغي وجود منظمة التحرير الفلسطينية التي يُفترض ان تكون المشرفة على هذه السلطة. إضافة الى ذلك، لم يعد من وجود يذكر لحركة "فتح" القادرة على مواجهة "حماس"، أي الحركة التي تصرّ على تكريس الانقسام الفلسطيني، بين الضفة والقطاع، سياسيا وجغرافيا.

بعد اثني عشر عاما على وفاة ياسر عرفات، لم يبق من السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية سوى الاجهزة الأمنية التي لا مهمّة لها سوى التنسيق مع الامن الاسرائيلي. لم يعد هناك من مشروع سياسي من ايّ نوع كان، فيما "حماس" منصرفة الى تعزيز وجودها في غزّة برضا إسرائيل ورعايتها. اين مشكلة إسرائيل حين تكون حركة مثل "حماس" واجهة الشعب الفلسطيني واطلالته على العالم؟

يبقى الموضوع الأساسي المطروح، الذي لا يمكن الهرب منه، موضوع خلافة محمود عبّاس (أبو مازن) رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ورئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير والقائد العام لقوات الثورة الفلسطينية وزعيم "فتح"... ورئيس دولة فلسطين. هذا هو الموضوع الأساسي. كلّ ما عداه دوران في حلقة مغلقة لا ينجح في كسرها كلّ الكلام عن ياسر عرفات وعن الظروف التي ادّت الى وفاته. هذه ظروف معروفة. معروف أيضا ان إسرائيل لا همّ لها، في هذه المرحلة، سوى تكريس الاحتلال ومتابعة الاستيطان وعدم الدخول في ايّ مفاوضا جدّية.

ما ليس معروفا كيف سيواجه الفلسطينيون الواقع كما هو والمتمثل في اعداد نفسهم لمرحلة ما بعد "أبو مازن" في ظل ظروف داخلية وإقليمية وعالمية غير مواتية؟ الم يكن بناء مؤسسات لدولة فلسطينية، قد ترى النور يوما، تحت اشراف حكومة برئاسة الدكتور سلام فيّاض من الخيارات المطروحة لمواجهة مرحلة ما بعد "أبو مازن" بدل الاستمرار في إضاعة الفرص... مهما كانت هذه الفرص هزيلة؟

 

خيرالله خيرالله

 
خيرالله خيرالله
 
أرشيف الكاتب
السهل والصعب في القمّة العربية
2017-03-29
أوروبا في مهبّ الريح
2017-03-27
ما يجمع بين المغرب والأردن
2017-03-26
متظاهرون لبنانيون من عالم آخر
2017-03-24
مجازفة انتزاع العراق من ايران
2017-03-22
الوجه الآخر للحرب اليمنية
2017-03-20
في المغرب... إصلاحات في الإصلاحات
2017-03-19
السعودية الجديدة... من يريد اخذ العلم؟
2017-03-17
لماذا لا يطرح خيار الدولة الواحدة
2017-03-15
سلاح لبناني اسمه القرار 1701
2017-03-13
المزيد

 
>>