First Published: 2016-11-14

مَن يحب البعث؟

 

عزل البعثيين عن الحياة السياسية هو شيء وحرمانهم من حقوقهم المدنية هو شيء آخر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

بعد خمس وثلاثين سنة من حكم البعث انتهى العراق مُحتلا. طبعا لم يكن البعثيون يتمنون وقوع ذلك، غير أن تلك الكارثة ام تكن بعيدة عن صنيعهم. لقد ارتكبوا من الحماقات والأخطاء والجرائم في حق العراقيين ما أساء إلى انجازاتهم العظيمة في مجال التعليم والتنمية والرعاية الصحية والتصنيع وإقامة بنية تحتية رصينة.

لذلك فإن احتلال الكويت لم يكن سوى القشة التي كسرت ظهر البعير كما يُقال.

وإذا ما كانت شعبية الرئيس الراحل صدام حسين قد وصلت إلى ذروتها يوم خرج منتصرا من حرب الثمان سنوت فإن صدمة العراقيين بقراره الشخصي المرتجل قد دفعت تلك الشعبية إلى التراجع اللافت الذي سبب للرئيس نفسه شعورا عميقا بالوحدة، حتى بين أفراد قيادته الذين كان يختارهم على أساس حجم ولائهم لشخصه وايمانهم بعبقريته.

يومها انفصل القائد الضرورة، وهو أحد ألقابه، عن الواقع بطريقة مطلقة، غير ان البعثيين يومها لم تكن علاقتهم حسنة بالمجتمع، بعد سنوات طويلة من التعالي والزجر والقهر والإملاء والاستصغار والفوقية. لقد انفصل البعثيون عن المجتمع الذي أبوا أن يضعوا أنفسهم في خدمته. لذلك لم يكن في إمكانهم استعادة ثقة الشعب بهم.

في موازاة العنف الذي اتسمت به شخصية الرئيس الراحل وهي الصفة التي القت بظلالها على سلوك البعثيين وطريقة تصريفهم لشؤون المجتمع فإن ما يجب الاعتراف به أن الدولة كانت نظيفة تماما من الفساد. وإذا ما كان العراق قد شهد أثناء سنوات التنمية الانفجارية إنفاقا مبالغا فيه فإن ذلك الإنفاق لم يكن إلا نوعا من الهدر غير المقصود الذي لم ينتفع منه البعثيون.

كانت للبعثيين امتيازاتهم التي لا يمكن أن تعتبر نوعا من الفساد أو وسيلة للإفساد. فهي لم تكن تُقدم إلا من خلال ضوابط وشروط معروفة سلفا. لذلك غادر كبار البعثيين الحكم وهم في أرقى حالات النزاهة. وهو ما جعل من قرار حرمانهم من الرواتب التقاعدية جزء من قانون اجتثاث البعث سيء الصيت نوعا من التصرف الانتقامي البشع الذي يكشف عن عقلية صبيانية شريرة، غير معنية بحقائق التاريخ.

عزل البعثيين عن الحياة السياسية هو شيء وحرمانهم من حقوقهم المدنية هو شيء آخر.

وإذا ما كانت الأمور قد جرت في عراق ما بعد دولة البعث بطريقة لا تشرف أحدا، فأنا على يقين من أن لا أحد من العراقيين، بضمنهم الغالبية من البعثيين يحن إلى استعادة تلك الدولة التي انقرضت أيامها.

البعثيون أنفسهم وهم مواطنون شرفاء لا يرون في عودة البعث إلى الحكم أمرا ممكنا، بعد ما شهده العراق من تغيرات، ضربت بعصفها تركيبة وبنية المجتمع العراقي.

صحيح أن البعثيين لم يعترفوا بأخطائهم إلا بطريقة وجلة، فإن أحدا منهم لا يمكنه أن ينكر أن العراق الذي سُلم للعصابات الطائفية المتخلفة لم يكن إلا ضحية لسلوكهم المتعالي على الشعب.

ما من قوة، مهما بلغ جبروتها كان في إمكانها أن تحتل العراق وتحطم دولته لو أن العراقيين كانوا قد قرروا أن يلتفوا حول قيادتهم ويؤمنوا أن مصيرهم مرتبط بمصيرها.

لقد استسلم العراقيون للمكيدة بسبب رغبتهم العاصفة بالتخلص من البعثيين.

ولم يكن البعثيون متحمسين للبقاء أكثر بعد أن شعروا أنهم قد انزلقوا بالبلد إلى الهاوية وأخرجوه من التاريخ الحديث.

لذلك فإن كل حديث اليوم عن المصالحة مع البعثيين هو نوع من اللغو الفارغ، الذي يُراد منه تزييف الحق وتغليب الباطل، بحيث تبدو المطالبات بحياة مدنية ومعارضة قيام دولة دينية والالتزام بمبدأ المواطنة والاعلاء من شأن المشروع الوطني بدلا من نظام المحاصصة الطائفية والقومية كما لو أننها واجهات لعودة البعثيين إلى الحكم.

ما يجب الاقرار به هنا أن البعثيين قد خرجوا من المعادلة العراقية، من غير أمل في العودة. هم اليوم مواطنون عراقيون يجب عدم هدر حقوقهم المدنية.

 

فاروق يوسف

الاسم علاء الدليمي
الدولة تركيا

2016-11-14

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لماذا مسعود؟
2017-10-18
أليست هناك أميركا أخرى؟
2017-10-17
لا تنتظروا شيئا من أميركا
2017-10-14
أميركا التي تكره أميركا التي ينبغي أن نحبها
2017-10-12
أميركا فوق، أميركا تحت
2017-10-10
خانه شركاؤه ولن ينصفه التاريخ
2017-10-09
رئيس يودع رئيسا والعبرة في وداع العراق
2017-10-07
لغة الآي آي في التايم سكوير
2017-10-06
عشرة أعوام من الفشل
2017-10-04
بناة العراق المؤقت
2017-10-03
المزيد

 
>>