First Published: 2016-11-14

ترامب رئيساً: ما الذي يقلق إيران؟

 

ما يهم أكثر من الاتفاق النووي هو التفاهمات الخاصة بين الولايات المتحدة وإيران حول شؤون منطقة الشرق الأوسط.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

قال دونالد ترامب كثيراً أثناء حملته الانتخابية، ذهب بعيداً في وعوده الصاعقة. لكن ذلك لا يتعدى لغة البيع والتسويق التي يستخدمها المرشحون لجذب الناخبين وحصد أصواتهم، فما الذي يجعل النظام الإيراني متوجّساً قلقاً من احتمال أن ينقطع حبل الودّ المتوخى بين إيران والعالم الغربي، والذي يُفترض أن الاتفاق وفّره ورفع من طموحات طهران بالاعتراف بها لاعباً أساسياً، وحتى اللاعب الأساسي، في منطقة الشرق الأوسط.

قدّم النظام الايراني الاتفاق الذي عقده مع مجموعة الخمسة زائداً واحد (الصين وروسيا واميركا وفرنسا والمانيا وبريطانيا) بصفته "تضحية" من قبله تضمر تخلياً عن طموحات البلد لإنتاج القنبلة النووية. لم تعترف طهران يوماً بسعيها لذلك، حتى أن مراجعها الدينية والسياسية من أعلى وأرفع المستويات، بما في ذلك الولي الفقيه، اعتبروا القنبلة "حراماً" لا يتسّق مع جوهر الدين. ومع ذلك فإن التقارير التقنية الدولية الرسمية وتلك الصادرة عن أجهزة المخابرات الدولية لم يكن لديها أي شك أن طهران، ومنذ ما قبل قيام الجمهورية الإسلامية، لم توفّر جهدا لاقتناء القنبلة النووية. بهذا المعنى يمكن الاستنتاج أن الاتفاق النووي الشهير (في لوزان في 2 ابريل 2015) وضع حداً للبرنامج الطموح وجعله مُحدّداً لا ينقله من مستوى الأغراض المدنية إلى تلك العسكرية.

أن يلغي دونالد ترامب الاتفاق النووي فيفترض أن يكون خبراً سعيداً يحرر طهران من قيود تمنعها من انتاج قنبلتها العتيدة، فما الذي يغضب الإيرانيين وينغّص عيشهم من وزير الخارجية محمد جواد ظريف إلى رئيس الجمهورية حسن روحاني إلى مرشد الثورة علي خامنئي. الجميع في ردّ فعله مجمعّ على رفض الفكرة والتحذير من تداعياتها مستخدمين الأدوات القانونية التي تحيل الاتفاق المحصّن دولياً عصيّ على الإلغاء من طرف واحد، حسب رواية روحاني-ظريف، أو مستخدمين لغة التهويل والتهديد حسب رواية خامنئي وجنرالاته العسكريين.

ذهب الخبراء في السابق إلى التأكيد أن إيران لا تملك الإمكانات التقنية لانتاج القنبلة النووية، وأن طهران تقصّدت عبر إستراتيجية الغموض الإيحاء بعملها خفية على ذلك، وأن رفع أدوات التهديد والتحدي إلى حدود حافة الهاوية قد استخدمت ببراعة لإرهاب المجتمع الدولي من مغبّة عدم الاتفاق معها والتوصل إلى صفقة يوقف خطرها على أمن المنطقة كما على أمن العالم.

ساهمت إسرائيل كثيراً في النفخ في الخطر الإيراني بما يشبه تقاطعا ماكيافيليا في مصالح الطرفين. تبيع تل أبيب خوفها وقلقها لاستدراج مزيد من الدعم والحماية الدوليين خارجياً ولتصليب شعبية اليمين الليكودي في الداخل، فيما تبيع إيران القلق الإسرائيلي بصفته وقوداً لشعاراتها في المقاومة والممانعة، التي تستخدمها للاطباق على حكم الداخل دون اعتراض، ولتبرير تمددها داخل دول المنطقة في الخارج.

لم يخفِ المسؤولون الإيرانيون في رسائلهم الخلفية المباشرة وغير المباشرة للولايات المتحدة أن السعيّ لانتاج القنبلة النووية لا يهدف إلا إلى صون النظام السياسي الإيراني الذي ما برحت طهران تشعر أنه ليس نهائيا وأن القوى الدولية تعمل وستعمل إلى التخلّص منه. استند النظام الإيراني في ذلك على ذاكرته في حقيقة أن النظام الغربي الداعم لنظام ما قبل "الثورة الإسلامية" لم يتردد في التخلي عن حليفه الشاه وتسهيل اسقاط نظامه والترويج للإمام الخميني وتعبيد طرق عودته من باريس إلى طهران، حين وجد في ذلك مصلحة لمنع إيران من السقوط في براثن الاتحاد السوفياتي، فلماذا يتمسك بنظام الوليّ الفقيه.

لم تُقْدم إيران على "التضحية" ببرنامجها العسكري النووي المزعوم، إلا بعد مداولات طويلة على مدى سنوات، جرى أبرزها في العاصمة العُمانية مسقط. لم يتحدث المتداولون عن المعايير التقنية للبرنامج النووي لجهة نسب التخصيب ومصير الماء الثقيل ومستقبل أجهزة التخصيب ومآلات المفاعلات السرّية، فذلك تولاه الخبراء ورعته الوكالة الدولية للطاقة الذرية. جلّ الحديث دار حول ما يرسمه أي اتفاق عتيد من ضمانات للحفاظ على النظام الإيراني كما الاعتراف بدور طهران الإقليمي كما علاقتها المستقبلية بواشنطن. أعطى الأميركيون للإيرانيين مادة مغرية أسالت لعاب المرشد، على ما يبدو، إلى درجة رعايته لانتخاب حسن روحاني رئيسا للجمهورية ومنحه "بركة" للمضي قدماً في التفاوض للوصول إلى الاتفاق المعروف المتأسس ضمناً على ثمار المداولات العمانية.

لم يأت الامتعاض الخليجي والتحفّظ على الاتفاق النووي من أبوابه المعلنة لوقف توسّل إيران لتصبح دولية نووية، بل لأن ظاهرٓهُ الإيجابي يواري تفاهمات خفيّة خطيرة قد تناهى بعضها إلى علم الخليجيين وغاب أكثرها عن إدراكهم. فوقْفُ الطموحات النووية العسكرية الإيرانية يُفترض أنه عامل إيجابي لدول المنطقة، إلا أن إغفال المتفاوضين الدوليين للسلوك الإيراني في المنطقة لجهة ما تمارسه من تدخلات مباشرة في دول المنطقة وما يحمله ذلك من تهديد لأمن الخليجيين، حوّل الاتفاق بالنسبة للخليجيين لغماً خبيثاً استدعى جولات مكوكية تطمينية للموفدين الأميركيين، بما فيهم الرئيس باراك أوباما بنفسه.

لم يتحوّل الاتفاق النووي إلى شراكة أميركية إيرانية في الشرق الأوسط. بدا أن إدارة أوباما اكتفت برعاية البنود المعلنة من الاتفاق ولم تعرْ أي اهتمام لأي مداولات سابقة عليه قد يتسرّب منها تواطؤ لاحق عليه بين البلدين. وقعّت طهران عقوداً مع مجموعة من الشركات الدولية، لكن واشنطن بقيت بعيدة عن السوق الإيرانية، أو قاربته ببرود وخجل، واحتفظت في جيبها بمفاتيح منعت تطبيع إيران مع النظام المصرفي الدولي. وطالما أن مصارف العالم لا تتعامل كما يجب مع مصارف إيران، فإن الوفورات المالية الموعودة تبقى عاجزة عن العبور إلى خزائن طهران.

المفارقة، أن تلكؤ الولايات المتحدة في الاستجابة لطموحات إيران وما تنتظره من توقيعها على الاتفاق، لم يولّد ردّ فعل إيراني غاضب مُهددٍّ برمي الاتفاق والعودة إلى ما قبله، بل راحت طهران تمعن في ممارسة سلوك دبلوماسي يقترب من الاستجداء يعتمد على العلاقة التي باتت شخصية بين محمد جواد ظريف وجون كيري دون أن يظهر أي وميض أمل في أن الرئيس أوباما سيعبر إلى أكثر من حبر الاتفاق وبنوده.

ما زالت واشنطن تفرض عقوبات لأسباب مختلفة ضد إيران، وحين سألتُ أحد كبار المسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن عن تعريف العلاقة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران بادرني بردود بدا أنها جاهزة من نوع: "إيران دولة راعية للإرهاب في العالم" و"لا حوار مع إيران قبل أن تغيّر سلوكها". ومع ذلك لم يصدر عن القيادة الإيرانية ما يعتبر الاتفاق النووي منتهي الصلاحية.

فقط حين لوّح الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب بالتخلي عن الاتفاق النووي مع إيران فقدت طهران توازنها وتخلّت عن حكمتها التي واكبت "فرحة" انجاز الاتفاق في شوارع البلد. وحتى حين أوضح وليد فارس، مستشار ترامب لشؤون الشرق الأوسط، بأن الرئيس لن يتخلى عن الاتفاق، بل سيعيده إلى الكونغرس للمراجعة والتعديل أو سيعمد إلى إعادة التفاوض بشأنه مع إيران، فإن طهران أخرجت مخالبها الشرسة وعادت لاستخدام عدّتها القديمة في التهويل والتهديد، وارتفع خطاب وليُّها الفقيه من جديد ضد الولايات المتحدة ومصالحها في المنطقة.

في هذه الأيام فقط تكشف إيران (رئيس هيئة الأركان المشتركة في القوات المسلحة الإيرانية اللواء محمد حسين باقري) عن إنشائها منذ سنوات مصنع صواريخ في حلب أُطلق بعضها ضد أهداف إسرائيلية في حرب يوليو عام 2006 من لبنان، ثم تكشف مصادر إيرانية عن قاعدة صواريخ في نفس المنطقة. في هذه الأيام فقط تعيد طهران التهويل بأخطارها ضد الأهداف الأميركية في المنطقة. وفي الإعلان عن مكان القوة الجديدة من حلب بالذات، رسائل تروم طهران الإيحاء بها عن قواها الكبرى في سوريا ودورها الوازن هناك.

ويأتي التهويل زعماً لا نعرف صدقه. وقد نستغرب أن مصنعاً للصواريخ يعمل منذ سنوات في حلب لم تكشفه مخابرات العالم وأقمارها الصناعية. وقد نستغرب أيضا، أن من يصطاد قوافل الصواريخ المنتقلة من سوريا باتجاه حزب الله في لبنان لم يكتشف مصدر الصواريخ ومصنعها. وقد نستغرب إذا ما كان مصنع الصواريخ حقيقة في الاستراتيجيات العسكرية الإيرانية، فما الحكمة من إماطة اللثام عن وجوده وفضح موقعه؟

قد لا يراد للكشف الإيراني أن يلحظٓ تهديدا لإسرائيل (الصامتة عن الكشف الإيراني)، فتلك بعيدة عن مرامي الصواريخ "الحلبية". لكن الصواريخ، في موقعها، تهدد أهدافاً تركية، بما تعنيه من امتدادات أطلسية، كما تمثّل تهديداً لأهداف روسية في موسم البرود الروسي البوتيني في حلب نفسها.

تودّ إيران من خلال غضبها الراهن التفاهم مع واشنطن وليس الصدام معها. تتقدم إيران من جديد بصفتها قوة كبرى منتشرة في المنطقة متجذّرة الوجود في سوريا، في عهد ترامب الذي يلوّح بأنه يريد التعامل مع الأقوياء، ولا يمانع في دعم الأسد وسحب الدعم من معارضيه. وتتقدم إيران قلقة متوجّسة من هذا الودّ الدافق بين ترامب وفلاديمير بوتين والذي إذا ما تحوّل إلى تفاهم حقيقي فعلي قد لا يُبقي لإيران دوراً مميزا في المنطقة ولا حتى وجوداً في سوريا.

فقط للتذكير، استفاق الأمين العام للأمم المتحدة قبل أيام على تصريح مثير للاهتمام وخارج أي سياق: "على حزب الله الخروج من سوريا". في ذلك أعراضٌ دولية رسمية أولى تمسّ استمرار وجود قوات تابعة لإيران في سوريا.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
أردوغان في الخليج: في ما هو أبعد من أزمة قطر!
2017-07-21
أزمة الخليج مع قطر: في بقاء مجلس التعاون من اندثاره!
2017-07-17
اللجوء السوري في لبنان: ليس في كل جدل عنصرية
2017-07-14
داعش ينتهي.. إيران تقلق!
2017-07-07
واشنطن لموسكو وطهران: الأمر لنا في سوريا
2017-06-30
ذئاب داعش المنفردة أخفت ذئبا بريطانياً وراءها!
2017-06-23
هل بات مسموحا استقلال الأكراد عن العراق؟
2017-06-16
قانون الانتخابات في لبنان: كيف التحوّل من بلد إلى بلدية؟
2017-06-09
الإرهاب في لندن: مراجعات بريطانيا المعلنة ومراجعات المسلمين المتأخرة!
2017-06-06
خطط سوريا المستقبل: أي دور جديد للأردن؟
2017-06-02
المزيد

 
>>