First Published: 2016-11-15

خط الفقر وعاره

 

لخطر الحقيقي في ظاهرة التعامل مع الفقر ينبعث من مفهوم القناعة به.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لا يزال عار الفقر يتمدد في العالم العربي بطريقة مجانية في ظل تدهور لافت في السياسات الاقتصادية. فدولة ثرية مثل العراق تدفع بالمزيد من أبنائها إلى السقوط في هاوية الفقر. بحيث صار الحديث عن خط الفقر متداولا كما لو أنه من شروط البقاء على قيد العيش، في بلد صارت النجاة فيه من الموت بمثابة مكرمة مضافة.

في الوقت الذي يتقلص فيه عدد الفقراء في العالم من حولنا، حتى في الدول التي تحسب على العالم الثالث، فإن أعدادهم في العالم العربي تزداد بما يجعل المشهد العام كئيبا، وبما يلقي بظلال معتمة على مستقبل الصلح الاجتماعي الهش أصلا. وقد تكون الفوضى العارمة التي تعيشها أجزاء مهمة من العالم العربي مقدمة لفوضى شاملة، ستضع نهاية لكل أمل في أن تستعيد مجتمعاتنا قدرتها السابقة على التماسك في مواجهة الأزمات.

وقد يكون مخيبا للآمال أن الفقراء الذين يأسوا من خطط الإصلاح الاقتصادي التي تنادي بها الحكومات المدنية صاروا يستجيبون بيسر للأحزاب والتنظيمات الدينية في مشاريعها المضادة التي تنادي بالعدالة، بالرغم من أنه ليس من بين تلك المشاريع مشروع اقتصادي واحد. تفعل تلك الأحزاب والتنظيمات العكس تماما، حين تدفع بالفقراء إلى التكيف مع حالة فقرهم، انطلاقا من كونه نوعا من القدر الذي لا مفر منه، ومن الكفر عدم القبول به.

غالبا ما تلقي الحكومات باللائمة على الفقراء، كونهم لا يعملون بطريقة جادة للتخلص مما هم فيه، من غير أن تلتفت إلى برامج التعليم المتدنية التي تقف وراء الازدياد المضطرد لإعداد الأميين، المتسربين من المدارس والمحرومين من نعمة العلم بسبب كلفته العالية التي تقع خارج قدرتهم.

كما أن خطط التنمية التي كانت يوما ما العنوان العريض لبرامج الحكومات العربية، قد اندثر ذكرها وغابت وسط تفاقم وتفشي الفساد الذي لم يعد يكتفي بثروة البلاد المتاحة، بل ذهب بعيدا في اجبار المواطنين على دفع جزء من استحقاقات انتعاشه واستمراره وسيلة لحماية المجتمع مما هو أسوأ منه. وهو ما يمكن أن يلمسه المرء في انتشار الرشوة بين موظفي القطاع العام.

وإذا ما كان الفقر صريحا في عدد من البلدان، التي تعاني أصلا من شح مواردها، وهو أمر لعب فيه الفساد دورا كبيرا، فإن البلدان الثرية هي الأخرى تعاني من طغيان السلوك الاستهلاكي لدى مواطنيها وهو ما يجعل منهم فقراء، لكن بطريقة مختلفة. ذلك لأن حجم مديونية أولئك الذين يحسبون على الأثرياء، يقيدهم بشعور افتراضي بالعوز والحاجة.

وهو ما يمكن أن يؤثر سلبا على الميزان التربوي والأخلاقي.

غير أن الخطر الحقيقي في ظاهرة التعامل مع الفقر ينبعث من مفهوم القناعة به. وهو مفهوم صارت الأنظمة المدنية تتواطأ من خلاله مع المفهوم التبسيطي والمبتسر الذي تنادي به الأحزاب والتنظيمات الدينية، وهو مفهوم يضع الفقراء في نهاية القائمة التي تهتم الحكومات في مراجعتها مضطرة، كلما شعرت بالخطر.

من وجهة نظر الحكومات العربية فإن الفقر لا يشكل خطرا على استقرارها، بدليل أن ثورة في التاريخ العربي المعاصر لم تقم تحت مسمى "ثورة الجياع". وهو ما يدعو إلى الاطمئنان إلى أن هناك أسبابا أخرى غير الفقر تدعو الناس إلى أن ينتفضوا. وهي وجهة نظر تخون الحقيقة.

ما حدث في العالم العربي من انتفاضات، جرى تسيسها وتشويه قيمها وتغيير مساراتها كان الفقر هو الدافع الرئيس لوقوعها ويمكننا، أن نجد جوابا في ثورة الأرياف المهملة في سوريا على سؤال الثورة السورية المغدورة.

لولا الإهمال الذي مارسته أنظمة حسني مبارك في مصر ومعمر القذافي في ليبيا ووزين العابدين بن علي في تونس للفقراء لما كنا قد رأينا ربيعا عربيا، نشر تلك البلدان على حبل غسيله.

الفقر عارنا الذي لم نجرؤ حتى هذه اللحظة إلى مراجعة أسبابه من أجل محو آثاره التي صارت تنطق بما نحاول اخفاءه.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
الاكراد يغلقون باب العراق الموحد
2017-08-17
دولة فاسدة في العراق، ما أخبار المجتمع؟
2017-08-16
هناك شعب يصفق من أجل أن يحيا
2017-08-15
لن تقوم دولة الأكراد إلا بعد انهيار العراق
2017-08-14
الوحش الذي ابتلع لبنان
2017-08-13
ما بعد الصدر ما قبل السعودية
2017-08-12
ارهابيون ديمقراطيون على شاشة الجزيرة
2017-08-10
بريطاني نعم عراقي لا
2017-08-09
حزب الله من المقاومة إلى المقاولات
2017-08-08
سياسة إيران الرثة وسباق التسلح
2017-08-07
المزيد

 
>>