First Published: 2016-11-15

سنة العراق بين السلة والذلة

 

هناك خط تنظيمي ومشروع قائم. طموح شيعي غامض يقابله أمة المليار حائر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

هل هناك ضرورة لسحق طفل عمره 14 سنة بالدبابة في أطراف الموصل؟ هل هناك حاجة لسماع صوت عظامه تتكسر تحت "زنجيل" الدبابة؟ ولنفترض بأنهم أرادوا ارتكاب جريمة، السؤال هو لماذا التصوير والنشر في ڤيديو يظهر الجناة بلا لثام ولا خوف من العقاب؟

الفلم يظهر الطفل بين ثلاثة مقاتلين من الحشد الشعبي. الأول يقول نأخذه الى المقر، والقيادة تنظر في أمره، والثاني يقول هذا طفل لندعه يهرب ويذهب، والثالث يقول كلا نسحقه بالدبابة. فيلقي به تحتها وتسمع طقطقات الرأس والضلوع تحت سرفة الدبابة الحديد. ثم يرفع الثلاثة أسلحتهم ويهتفون، مشهد السحق أعجبهم في النهاية.

يقولون داعش ارتكبوا جرائم ابشع مثل مجزرة سبايكر. هذا تبرير خطير، اذا داعش اخذوا الايزيديات سبايا فهل انتم أيضا ستأخذون بنات الموصل المسلمات سبايا؟ أليس في هذا المنطق رسالة مخيفة؟

مراسلة حروب من قناة الـ CNN ذهبت مع فرقة مدرعة من قوات مكافحة الارهاب صورت الجنود يتكلمون معها، ثم حين دخلوا بيتا فاجأهم تفجير انتحاري عند المدخل قتل أربعة من الجنود الذين كانوا يتحدثون اليها قبل ساعات. وتقول حين بات الجنود في أحد البيوت كان هناك ثمانية دواعش ينامون بصمت في البيت المجاور، وعند الصباح اشتعلت معركة مع هؤلاء الانتحاريين لم تنته إلا بتدخل الطائرات الأميركية التي فجرت ذلك البيت بصاروخ بعد مقتل الكثير من الجنود في المعركة.

المراسلة الصحفية صورت إيقاف الجنود لسائق تاكسي مسن، طلبوا منه الخروج من السيارة، ثم طلبوا منه التوجه إليهم وحين تقدم نحوهم أطلقوا عليه الرصاص وقتلوه. تقول المراسلة الجنود في حالة قلق وتوتر فكل سني عراقي قد يكون انتحاريا. هناك تسجيل لرجل مسن يقع على الارض ويطلب من الجنود ماء، وحين يتجمعون حوله يفجر نفسه بحزام ناسف ويقتلهم جميعا. الوضع مخيف حقاً.

الشيعة يقولون لماذا لم يقاوم السنة داعش؟ لماذا سلموهم مفاتيح مدينتهم دون مقاومة؟ السني العراقي مسكين هو أيضا بشر وليس حجرا. العرب قالوا له لا تقاوم الاحتلال الأميركي لبلادك، فقتل الجندي الأميركي ارهاب. والحكومة العراقية قالت له لا تقاوم الاحتلال الإيراني لبلادك فإيران دولة حليفة.

لو شققت عن صدر السني العراقي لوجدت العدو الفارسي والصليبيين والنبي محمد والقرآن والعروبة. ليس ذنبه مسكين فهذه ثقافته وتربيته. مع هذا استسلم الناس للأمر الواقع. الفلاح الموصللي عنده عائلة وبقرة وبستان وبيت وليحتل البلاد كائنا مَن كان لا مشكلة المهم السلامة.

فجأة احتل الدواعش الموصل وصاروا يطالبون البسطاء بالمقاومة والدفاع عن الشرف. السني الذي هان عليه احتلال بلاده وإذلال ايران له كيف سيمتلك الحمية للدفاع عن مدينته ضد داعش؟ إن الإذلال والاغتصاب واحد في نظره والعاقل يختار السلامة.

الجنرال قاسم سليماني سيدخل الموصل بكل تأكيد، فقد أعلنت الحكومة العراقية عن استدعائه كمستشار عسكري في المعركة. والرقة سيعيدها فلاديمير بوتين الى الأسد، لا أكراد ولا تركمان ولا اخوان مسلمين ولا داعش. بوتين مصمم على بسط الجيش السوري لنفوذه على كل سوريا.

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال إن الحشد ارهابي ممنوع عليه ان يدخل مدينة الموصل. واذا دخل الحشد للموصل؟ ماذا سيفعل أردوغان؟ أردوغان يتاجر بالدم السني ويطلق وعودا لا يفي بها كما فعل مع السوريين.

العرب من جهة أخرى في حالة دوار حقيقي. الشيعة الايرانيون لم يحاسبوا شيعة العراق على قتالهم لهم وسامحوهم على ذبح مليون ايراني، بينما لم تسامح الكويت سنة العراق حتى اليوم على مقتل عشرين كويتي في غزو الكويت. هذا هو الفارق بين صاحب المشروع وبين الذي لا يمتلك أي مشروع.

السنة راهنوا على السلطان وطاعة ولي الأمر، وهذا جيد لو أن عندهم سلطان. الذي حدث بعد احتلال العراق أن أميركا ذهبت بسلطانهم، والشيعة صاروا يتحدونهم عقائديا، فكيف يواجهون هذا التحدي وليس عندهم سلطان؟ لا يوجد عندهم حلول سوى التشيع أو الارهاب.

صحيح أن الشيعة يعانون من صدمة الفساد بسبب مشكلة التدخل الإيراني، ومقاومة السنة المسلحة، وحالة انعدام الاستقرار، لكنني لا أرى المجتمع الشيعي ضعيفا بل هو متماسك ومصر على النصر، حتى ولو حكومته فاسدة، حتى ولو لا توجد إنجازات على الارض. هذا لا يفت من إصرارهم على ضرورة حكم شيعي. الشعب يدعم النفوذ الشيعي رغم كل شيء وهذا غريب، كما لو أنه رغبة جماعية بالانتقام وإثبات الذات.

الصراعات الشيعية كلامية فقط. لا توجد اغتيالات بين القادة، ولا حرب بين الميليشيات. هناك خط تنظيمي ومشروع، طموح شيعي غامض يقابله أمة المليار حائر. لقد وصل الأمر الى أن تميل مصر الى بشار الأسد في صراعها مع الاخوان المسلمين وتركيا.

وماذا ستفعل تركيا؟ حرائق للمدن السنية فقط. لقد أصبحنا غير مقنعين لأننا غير مسموح لنا بالقتال، وغير مسموح لنا بالاستسلام. وهذا الحال أصعب من الموت نفسه، لأنه تفجير للدماغ والوعي.

ايران استخدمت اسلوبا شيطانيا مع سنة العراق. لقد آذوهم في دينهم، أهانوا مقدساتهم بتركيز وكثافة وقصد وتعمد. السنة شعروا بشيء غامض اسمه "الغيرة على الدين" واعتقدوا بأن عمر بن الخطاب وعائشة وأبو بكر يجب أن لا يتعرضوا للنقد والشتم. من هنا بدأت فكرة الدفاع عن الدين.

القتال في سبيل الدين يسمى "ارهاب" الغيرة على الدين هي في النهاية "تطرف" لأنك ستدافع عن شيء غامض. فكيف سيفهم الأميركي بأن شتم السيدة عائشة يتطلب منك أن تفجر نفسك؟ هذا موضوع غامض ومبهم ولا تفسير منطقي له. وايران تعرف ذلك جيدا، وهكذا ساهمت ايران في إسقاط العقل السني في هذا الفخ، هيأتهم لقبول داعش.

أول تصوير للدواعش حين دخلوا الموصل قبل عامين كان في مخازن الغذاء يقولون "أبشري أمنا عائشة، تسبون أمنا عائشة، جئناكم بالذبح" وشاب تونسي عنده إصدار لا يُنسى يصعد سيارة مفخخة ويقول "تسبون أمنا عائشة جئناكم من قرى تونس النائية للثأر يا روافض". وتنفجر سيارته الى عنان السماء. هذا معناه إيران تعرف سذاجة العرب وسهولة إسقاط عقولهم في الفخ السياسي.

إن مأساة سنة العراق اليوم هي نفسها محنة الحسين بن علي في كربلاء حيث يقول "خيروني بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة"، خيروهم بين السلة والذلة، عدد قليل قال "هيهات منا الذلة" الحقيقة معظم الناس تختار "الذلة" وهذا وضع عصيب على الناس لأنهم معتادون على الكرامة طول حياتهم وحياة أسلافهم.

 

أسعد البصري

الاسم عراقي
الدولة العراق

لا ادري ميف يمكن سماع طقطقات الرأس والضلوع تحت سرفة الدبابة الحديد !!!

الا اذا كان للسامع اذان حصانّّ اذا لم يجفل الحصان من صوت الدبابة

مع التحية

2016-11-23

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
دونالد ترامب، أو غضب الرجل الأبيض
2016-11-23
المزيد

 
>>