First Published: 2016-11-15

الاستظلال بالكراهية

 

صرت أعرف الشخص عراقيا أم سعوديا أم سوريا أم يمنيا أم مصريا أم ليبيّا بما يحمل من ضغينة تجاه الآخر. قل لي ماذا تكره، وسأعرف ببساطة من أين أنت؟

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

ليس كـ”الأدباء” مبالغة في تصوير حياتهم الخاصة! إنهم يمارسون دور الضحية على الدوام من دون أن ينتابهم الشعور بالهزيمة ولو أمام أنفسهم، هؤلاء الذين يتحدثون عن الوطن الحلم يفتعلون فكرة لا تمت إلى العالم المعاصر بصلة ويطلقون عليها “المنفى” بل إنهم يرون في مفردة الاغتراب غير جديرة وقد تحدث ضررا على أفكارهم.

لم يعد ثمة ما يمكن أن نسميه المنفى في العالم اليوم، إن كان هذا الكلام صحيحا قبل عقود فلأن الانتقال من أرض إلى أخرى كان يستغرق أشهرا، أما اليوم فالرحلة لا تستغرق من مشرق الأرض إلى مغربها أكثر من يوم واحد، فأين هو المنفى البعيد أيها السادة.

أزعم، أنني لم أشعر بالاغتراب بعد أكثر من ربع قرن بعيدا عن وطني تنقلت خلاله بين البلدان حتى استقراري في أرض شكسبير، كنت منسجما مع ذاتي ومتسقا مع قناعاتي ولم أزعم غير ذلك.

ومع ذلك، يبدو أن أهلنا هناك في بلدان الجحيم المستعر يشعرون باغتراب يفوق فكرة المنفى نفسه، على أرضهم وعلى بعد مسافات قصيرة من أعمامهم وأخوالهم، الاغتراب أضحى في المدن نفسها التي ولدنا فيها وتربينا وتعلمنا وأحببنا وأكلنا طعامها.

لم يعد الاغتراب يكتفي بالإحساس التاريخي وعلاقته بالمكان، بل صار مفهوما جديدا يرتبط بفكرة الوطن نفسه والشعب الذي فكك العلاقة مع الوطن ككيان موحد وجامع. فهل وصلنا إلى درجة الاعتراف بأنه لم يعد لنا وطن، بل نحن نستظل بعقد قديمة وجدت للتفريق بيننا اسمها الدين والطائفة والعشيرة والعرق والقومية، إنها مجتمعة تفصيل لمفهوم الكراهية لا أكثر!

صار الواحد منا يعرّف نفسه بما يكره، صرت أعرف الشخص عراقيا أم سعوديا أم سوريا أم يمنيا أم مصريا أم ليبيّا بما يحمل من ضغينة تجاه الآخر. قل لي ماذا تكره، وسأعرف ببساطة من أين أنت؟

الكراهية التاريخية والعنصرية التي لم تتخلص منها الولايات المتحدة وتصاعدت مع خطاب الرئيس المنتخب دونالد ترامب، هي لا تحمل مواصفات الكراهية التي يعلنها “أهلنا” بعد صعود الإسلام السياسي وأحزاب إيران في لبنان واليمن والعراق وظهور داعش.

إذا كانت جين توينغ، مؤلفة كتاب “وباء النرجسية” الذي يبحث في ظهور جيل شباب أكثر أنانية، قد عزت صعود الانحياز العرقي من جديد في أميركا إلى منحها الضوء الأخضر من قبل ترامب، فإنه من البساطة أن نعد اليوم مئات الأسماء من رجال دين وسياسيين ووجوه تلفزيونية وكتاب وممثلين ومغنين، يطلقون بلا تردد الكراهية والطائفية والانحياز لكل ما لا يمت بصلة إلى الوطنية.

ألا يحق لي بعدها أن “أزعم” أنني لم أعد أعرف أناس الأوطان هناك، لأن كل ما يعرّفون به أنفسهم لا يعدو كونه تعبيرا عما يكرهون!

ألا يحق لي الجهر بالقول إن ما كان يسمى مغتربا من دون وجه حق، ليس إلا وطن لا يعلو شيء على الكرامة فيه!

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
الروائي صحافيا
2017-03-26
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
المزيد

 
>>