First Published: 2016-11-15

الصواف: البيت الدمشقي التقليدي مأثرة من مآثر العمارة

 

تزايد السكان وهجر قلب المدينة، أغرى السكان الزراعيين بالتدفق إلى الداخل، فملؤوا البيوت القديمة بطبقات اجتماعية جديدة ليست لديها القابلية لصيانتها.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

الفن التاريخي الكبير يتمركز في المدينة القديمة

يأتي كتاب "البيت الدمشقي.. كنز العمارة" للباحث والمؤرخ في تاريخ دمشق وتراثها الشعبي حسن زكي الصواف، والصادر أخيرا عن دار المكتبي، ليؤكد روعة العمارة الاسلامية ممثلة في البيوت الدمشقية، إذ يعتبر البيت الدمشقي التقليدي مأثرة من مآثر العمارة العربية بمواصفاته الفريدة التي اكتسبها خلال قرون من الازدهار الحضاري بلغ خلالها فن العمارة الإسلامية القمة في الإبداع والتوزيع الوظيفي.

ويرى المؤلف أن البيوت الدمشقية هي صورة طبق الأصل لشخصية أصحابها، رغم بساطتها المتناهية في التكوين المعماري وفلسفته من الناحيتين الوظيفية والشكلية، وقد أثرت البيئة المحيطة بالمدينة كثيرا في شكل هذه المؤسسات التي قاموا ببنائها.

ويرى المؤلف أن جميع البيوت السكنية الدمشقية مندمجة مع بعضها البعض، لذلك كانت أقل الواجهات مفتوحة للتسخين الشمسي، اعتمدت مبادئ في تكوين شكل البيت الدمشقي: الزيادة القصوى في الظل على سطوحه، واستخدام مواد على أساس كلسي، والسطوح البيضاء تعكس أشعة الشمس. ارتفاع كامل المبنى على مستوى واحد كي لا تدخل التيارات الحارة ولا الباردة إلى داخل المبنى، فيما عدا الليوان ثنائي الطابق الواقع دائما في الجزء الجنوبي من الفناء حيث يوجد فيه الظل دائما".

ويؤكد أن العامل الاجتماعي على تشكيل البيت الدمشقي، المتمثل بتوزيع العائلة الكبيرة حول مركز قوي لصاحب المبنى، كما أثر تعاقب الأجيال وتحول النسب من الأب للابن على إنشاء البيت الدمشقي التقليدي، فالثروت المادية حسب التقاليد العربية يجب ألا تغادر جدران البيت الأم، لذلك كان متبعا زواج الأقارب المقربين "الزواج بين ابن العم أو بنت العم أو الخال".

وتتميز البيوت الدمشقية القديمة ببوابة ضخمة تتمفصل مع ساقف الباب ونعلته "بزعرور" أي مفصل أسطواني من صلب خشب الباب، وهو مصفح بالصاج السميك لحمايته من التآكل بسبب الاحتكاك، وله "الساقط" أي الدقر الخشبي الداخلي. يؤدي هذا الباب الضخم إلى ما يزين هذا المكان بالأثاث وبخاصة "القنصلية" ذات المرآة الجدارية وطاولة بيضوية الشكل.

وقد وصف الباحثون البيوت الدمشقية القديمة أجمل وصف كقولهم "إن البيوت في دمشق، بترتيب بنائها بأجمل طراز معماري وترتيب هندسي وفني ليس له نظير في جميع البلدان الأخرى". ويحيط بباجة الدار غرف وقاعات كبيرة تزين جدرانها زخارف شرقية وتعلوها غرف جميلة، وفي القاعات "بركة" فسقية تسهم في تبريد الجو أيام حر الصيف، وما يفيض من مياه البحرة يجري ضمن قساطل إلى الحمامات، الذي يقذف بأقذارها في قناة مخصصة لها تحت الأرض إلى "السياق العام" المخصص في كل حي، ويصب في نهر قليط الذي تصل مياهه إلى بساتين ثمن الشاغور وثمن الميدان.

ويضيف "البيت الدمشقي متجه نحو الداخل، لكن واجهاته كافة تطل على الفناء الداخلي، أما على الشارع أو الحارة فيطل بجدرانه المصمتة، والمجالات الحجمية التخطيط للبيت الدمشقي: وجود رطوبة النوافير والعناصر المعمارية المؤثرة على التخطيط للبيت الدمشقي التقليدي: الحرملك ـ الخدملك ـ الليوان ـ غرفة الضيوف المطلة على الليوان ـ القاعة ـ مكان للضيوف "القاعة" مكون من ثلاثة طوزور ـ مكان للضيوف "قاعة" مكون من طزر واحد ـ المطبخ ـ أماكن إضافية "خدمات" ـ غرف نوم ـ نافورة مركزية ـ حمامات ـ نافورة مركزية ـ العتبية ـ جزء مدخل الضيوف إلى الغرفة ـ غرفة الغسيل ـ المدخل إلى البيت.

ويكون مدخل البيت الدمشقي من باب الدخول مدخلا صغيرا أو دهليزا يكون مقوسا أحيانا، وبعد عبور المدخل يصل الزائر إلى فناء أو عدة فناءات داخلية، يمكن أن توجد فيه منطقة استجمام تدعى "الليوان" تطل عليه غرف الضيوف، وفي الطابيق الأول لهذه الفناءات توجد غرف الاستقبال والغرف السكنية والغرف التي تطل على الفناءات الداخلية، ويحوي الطابق الثاني على غرف المعيشة وغرف النوم ويضم الطابق الأرضي على غرف المراحيض.

ويشير المؤلف إلى أن تطور العمارة الدمشقية كجزء من المركب الحضاري الثقافي التاريخي القائم على الأراضي المعاصرة للبنان والأردن وفلسطين وعلى الأخص أراضي سوريا وجنوبي تركيا، لذلك فإن هذه المدينة تعتبر صفحة مهمة في التاريخ القديم للشرق الأوسط. الموقع الجغرافي على تقاطع أهم الطرق التجارية للغرب والشرق، أدى إلى إدخال تأثيرات فنية متعددة إلى الفن السوري، وإلى ارتباط وثيق مع التقاليد المحلية، كل ذلك قد ظهر في عمارة وفن دمشق.

وعن تأثير العمارة الأوروبية الغربية وخاصة الفرنسية على فن العمارة الدمشقية في القرن التاسع عشر ـ بداية القرن العشرين.

يقول المؤلف "راحت الطبقة البرجوازية تغادر المدينة القديمة وتبني بيوتا في أحياء حديثة في الضواحي، وبدقة أكثر خارج حدود سور القلعة مثل شارع القنوات وحي الصالحية وحي الميدان، إلخ، وهذا أدى إلى تغيرات مهمة معمارية وتخطيطية ووظيفية وفراغية وديكورية وهندسية، أصبح التناظر ميزة بارزة، فالواجهات ومخططات المباني أصبحت متناظرة. الواجهة الرئيسية للمبنى ليست متجهة نحو الفناء الداخلي بل إلى الخارج، وتم اختراق الواجهات بنوافذ واسعة كبيرة وظهرت الشرفات البارزة أو البلاكين المفتوحة، وبرز بجلاء التعداد الطابقي للبيوت، وهذا ما أدى إلى تغيرات في التكوين الحجمي والفراغي للمباني السكنية.

ويلفت المؤلف أن معظم الفن التاريخي الكبير يتمركز في المدينة القديمة لدمشق التي أصبحت عاجزة عن حضن هذا الفن، وأصبحت تعاني الكثير من المشاكل التخطيطية والفنية.

إن إلقاء نظرة واعية على المدينة تتعرض لتشوهات كبيرة، وبشكل عام يجب معالجة المدينة القديمة بشكل كلي مع أخذ الناحية الفنية والاجتماعية بعين الاعتبار والعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى منها.

هذا وينبغي علينا ألا نكتفي بالمدينة القديمة ضمن السور بل علينا أن نحافظ على امتداداتها مثلا ساروجية وضاحية الميدان القديمة وضاحية الصالحية القديمة كلها مراكز تاريخية مليئة بالبيوت القديمة تجب المحافظة عليها وينبغي عدم تخريبها.

إن ظاهرة تزايد السكان وهجر قلب المدينة، أغرت السكان الزراعيين بالتدفق إلى الداخل، لذلك ملؤوا البيوت القديمة بطبقات اجتماعية جديدة ليست لديها القابلية لصيانتها لأنها لا تشعر بانتمائها للمدينة القديمة.

ويرى أن أوسع عمل لإعادة الأحياء يجب أن يجري في مركز المدينة التاريخي هو ترميم معظم المنازل السكنية التالفة، أو المنازل المستعملة لأغراض أخرى استنادا إلى برنامج إعادة الأحياء، ويجب أن يتم كذلك تقييم وحماية جميع العناصر ذات القيمة الفنية والبيئية والمسح الكامل للمبنى ودراسة الوضع الأصلي، ويجب أن تتم طريقة الترميم بالدراسة والمسح الكامل ودراسة الوضع الأصلي من خلال هذه المراحل تبدأ المدينة القديمة بتمثيل دورها بشكل مهم في حياة المدينة كلها.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
باحث مصري: الخطاب الساخر امتداد لفكرة المقاومة السلمية غير العنيفة للقهر السياسي
2017-05-22
مؤسسة الشموع للثقافة والفنون تستضيف أول معارض الفنان حسن الشرق
2017-05-18
خيري دومة يتتبع صعود ضمير 'أنت' في السرد العربي
2017-05-16
مفيد الحالمي: الأحكام الجمالية تتنوع وتتباين وتختلف وفقاً للمعايير والاشتراطات
2017-05-15
رامي أبوشهاب يرصد ويحلل الشتات في الرواية الفلسطينية
2017-05-14
باحث يؤكد أن معرفة الأمثال الشعبية ضروري لفهم وتقدير ثقافة الشعب الإماراتي
2017-05-12
سيرة حياة وموقع 'الفضول' في التجربة الشعرية اليمنية
2017-05-10
الجامعة الأميركية بالقاهرة توثق رقميا صورا نادرة لتاريخ مصر
2017-05-09
'العميل السري' .. أول عمل روائي يرصد ظاهرة الإرهاب
2017-05-09
ميادة كيالي تؤكد أن التأويل الذكوري للنصوص الدينية قيّد المرأة وعطّل فعاليتها
2017-05-04
المزيد

 
>>