First Published: 2016-11-16

فارس البيل: الشعر السياسي المعاصر في اليمن أهم الأنواع تقبلاً وتداولاً وانتشاراً

 

الباحث اليمني يؤكد أن الزبيري من خلال شعره لم يكن مجرد داعٍ لقتال أو صراع أو تدمير وحسب؛ بقدر ما كان داعياً لنهوضٍ ووعيٍ وفكر.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد الحمامصي

ظواهر معجمية في القصيدة السياسية

أكد الباحث اليمني د. فارس البيل في كتابه "القصيدة السياسية.. الرؤية والفن.. دراسة في تجربة الشاعر محمد محمود الزُّبَيْرِي" أن شعر اليمن وشعراءه قديماً وحديثاً لم ينل من الرواج والاهتمام الكثير، على الرغم من كثرته وجودته، وظل غائباً عن المشهد العربي إلا من قليل ظهور، ساعدت عليه ظروف قد لا تكون مقصودة في أفضل حالاتها، وبعضها جرأة واقتحام من خارج اليمن.

وقال "ذلك عائد لجملة من الاعتبارات قد يكون منها الجغرافيا والعادات، كما يتحمل أدباء اليمن وكتابها جزءاً من ذلك؛ جراء انطوائهم حول ذواتهم حتى في محيطهم اليمني، فثارت تساؤلات عديدة عن شعر اليمن، واستفهم كثير عن شعرائه. من هنا بدت أهمية تسليط الضوء على الأدب في اليمن، والشعر بخاصة وتقديمه بأسلوب منهجي لأبناء اليمن والآخرين، فبُذلت في ذلك جهود كثيرة خصوصاً من الجيل السابق وجيل اليوم، وإن كانت هذه الجهود لا تزال دون المرجو في الكشف عن واقع الأدب في اليمن والتعريف به".

ورأى في الكتاب الصادر عن مؤسسة أروقة للنشر بتقدمة الشاعر الكبير عبدالعزيز المقالح أن الشعر السياسي المعاصر في اليمن كان أحد أهم الأنواع تقبلاً وتداولاً وانتشاراً، بل تأثيراً وقدرة، كما في عهد المملكة المتوكلية؛ لخوضه في مسائل حساسة ومشتركة، وتناوله واقع الناس وظروف البلاد، ما ينأى عن الحديث العام فيه ولو بالهمس، في وقت كانت الإمامة في اليمن تكمل ألف عام من حكمها له، بما لها وما عليها، حتى كانت في مرحلتها الأخيرة قد مكّنت للخرافة في أذهان الناس كإحدى وسائل الحكم، وأدارت ظهرها لحركة التطور والنهوض من حولها.

وكان الشاعر محمد محمود الزُّبَيرِي رائد هذا الفن في تلك المرحلة، والمتصدي لتلك الألفية بشعره لتقويضها كما أراد، وتمزيق النُسج من عليها، فكان شعره ملهم نضال، وصدى آلام ومنشور ثورة.

وجاءت أهمية الكتاب من كونه محاولة في التنقيب عن الشعر السياسي في اليمن والكشف عنه وأدواره، وتناوله بطريقة علمية، لحضوره الواضح في وجدانات الناس، وغيابه البين في الدرس النقدي والأدبي.

وأضاف د. البيل "كان شعر الزبيري ـ وقد طغت عليه السياسة ـ الأكثر حضوراً وفاعلية في مجاله، من بداية الأربعينيات من القرن المنصرم وحتى الثورة اليمنية سنة 1962، وإن تعرضت له الكثير من الكتابات والأبحاث؛ فإنها تكاد تبتعد عن المنهجية ولا تخلو من التسجيل العاطفي، وتوارد الخواطر، والتناول السطحي، شابها التضخيم المبالغ للشاعر في جانب، أو التشكيك بأدواره وشعره في جانب آخر، باستثناء دراسات جادة، أفردته بذلك، وحاولت رصد شعره بعامة، والوقوف عند مراحل حياته بالتوازي مع شعره".

وأشار إلى أنه بالرغم من أهمية الدراسات جميعها التي تناولت الزبيري، ومرور زمن طويل على وفاته سنة 1965، فإنها اهتمت بشعره ونثره بعامة ومواقفه المتعددة، من منطلقات مختلفة، ولم يفرد الشعر السياسي أو القصيدة السياسية للزبيري ـ تقريباً ـ بدراسة موضوعية ومنهجية مستقلة، وهو ما سعت إليه هذه الدراسة باعتبار أن الجانب السياسي في شعر الزبيري وهو الغالب؛ هو صورة واضحة لحياته ونضاله، كما يعد وثيقة تؤرخ لنضال الأحرار اليمنيين وحركاتهم المختلفة، وكفاحهم الطويل، وهو سجل حافل بوسائل حكم الإمامة وطرائقه، ظلت تردده الألسن، وما تزال، كمعبر عن حال الناس وتطلعاتهم، وبذلك فهو صفحات مهمة من تاريخ اليمن المعاصر في حقبة من حقبه الأكثر عتمة وعزلة، تقدم للأجيال المتلاحقة كحق من حقوقها بغرض المعرفة والدراية. كما تسعى هذه الدراسة للمساهمة في فتح الباب لدراسة الشعر السياسي اليمني وهو كثير ومتعدد.

يقوم الكتاب على جانبين؛ موضوعي: به تحليل قصائد الشاعر السياسية والوقوف على مقاصدها والكشف عن دلالاتها اعتماداً على واقعها وأحداثه المختلفة التي تفاعلت معها، ومناسباتها ومدى فاعليتها في ذلك. وفني: تعامل معها من حيث الشكل والأسلوب وإمكاناتها الفنية، ومقدرة كل ذلك في التأثير وتحقيق أغراضها ومرادها.

وبذلك انتظم الكتاب في مقدمة، وتمهيد، وثلاثة أبواب تشمل سبعة فصول، وخاتمة، على النحو التالي: التمهيد: وفيه عرض للحياة السياسية لليمن في الفترة التي عاشها الزبيري وتفاعل معها شعره، كمفتتح للدراسة يضيء مراحلها اللاحقة، ويضع القارئ في صورة الواقع والبيئة التي نما فيها شعر الزبيري وتجربته.

البـاب الأول "حياة الشاعر" انتظم في فصلين؛ الأول "الزبيري الإنسان"، وفيه أولاً عرض لحياة الشاعر العامة بدءاً من النشأة والدراسة مروراً بهجرتيه الأولى والثانية، وانتهاءً بعودته للوطن عقب الثورة والوفاة. وفيه ثانياً فكر الشاعر وفلسفته فيما له علاقة بمضمونه الشعري، وفي ختامه رصد لإنتاج الشاعر النثري في الأدب والفكر والسياسة.

والفصل الثاني وعنوانه "الزبيري الشاعر" وبه تقسيم لمراحله الشعرية، إلى ثلاث مراحل بعد تدقيق وتتبع لشعره وتطوراته وانتقالاته المختلفة والمؤثرات فيه، من البداية مروراً بالطفولة الأدبية وانتهاء باليقين الثوري، وفيه ثانياً مفهوم الشعر عند الزبيري ورؤيته لطبيعة الشعر، وثالثاً وظيفة الشعر عنده، وأدواره التي أرادها له. وخُتم الفصل بعرض لإنتاجه الشعري.

البـاب الثاني "الرؤية في القصيدة السياسية"، وفي فصله الأول توطئة لمفهوم القصيدة السياسية عامة، وعلاقة الشعر بالسياسة، وفيه ثانياً سمات الرؤية في القصيدة، وقد حُددت حسب تطورها وخصائصها؛ بسمتين هما المهادنة والتمرد وما شملته السمة الثانية من مواجهة للحكام واستنهاض وحشد للشعب.

الفصل الثاني، مجالات الرؤية التي خاضت فيها قصيدة الشاعر السياسية بدءاً بالمجال الوطني وهو على شقين رؤيتها للحاكم واقعياً بأفعاله القائمة، ورؤيتها الافتراضية لما ينبغي أن يكون عليه ويقوم به، ورؤيتها للمحكوم وتصوير واقعه وأوضاعه، ورؤيتها لما يستوجب عليه من أدوار.

وثانياً المجال القومي وتحليل رؤية القصيدة لهموم الأمة العربية ووحدتها، ورصد مواقف القصيدة ورؤاها في عدد من قضايا وأحداث الدول العربية في ذلك الوقت.

وثالثاً المجال الإسلامي بدءاً بتتبع رؤى القصيدة ومواقفها تجاه الأمة الإسلامية عموماً، وتالياً ذكر بعض دول العالم الإسلامي وأحداثها المتفرقة.

رابعاً في ذات الفصل المجال الإنساني واهتمام القصيدة العالمي، وتجاوزها لحدود القطرية والقومية والأممية من منطلق الدعوة إلى حرية الإنسان وكرامته وأمنه.

البـاب الثالث: وفيه دراسة البنية الفنية في القصيدة السياسية، في ثلاثة فصول؛ الأول لغتها الشعرية، وفيه بيان اللغة الشعرية ودورها، ومعجم القصيدة وتحليل ألفاظها وقد نُثرت في حقول مختلفة أعدت بناء على رصدٍ وإحصاءٍ لنسبة الشيوع وحاجة الاستعمال، وضرورات التعبير.

كما رُصدت ظواهر معجمية في القصيدة السياسية تمثلت في توظيف النص الموروث بمصادره الثلاثة الديني والتاريخي والأدبي وتوظيف الأعلام والشخصيات التراثية بذات المصادر. وفيه ثانياً عرض للتراكيب الشعرية في القصيدة ومنها الظواهر الأسلوبية والوسائل الإيحائية عند الشاعر بدءاً بالتكرار وانتهاء بالنداء.

وفي الفصل الثاني الصورة الشعرية، بيان أهمية الصورة الشعرية بعامة، وعرض لوسائل تشكيلها في القصيدة من تشبيه واستعارة وكناية، وثانياً تتبع أهم خصائص الصورة في القصيدة كتراسل الحواس ومزج المتناقضات واستعمال الألوان، وختم برصد عيوبٍ وقعت فيها القصيدة.

الفصل الثالث، الموسيقى الشعرية في القصيدة، وفيه بيان أهمية الموسيقى في الشعر بعامة، واستعراض الموسيقى الخارجية في القصيدة السياسية وإحصاء أوزانها المختلفة وأهم البحور التي استعملتها، وتتبع القافية، وقد غلبت بنمطها الموحد في حين لم تخلُ القصيدة من قافية متعددة، وفي النوعين من القافية تم إحصاء حروفهما والوقوف عند خصائصها ودلالات استعمالها، كما لم تُغفل عيوب القافية التي وقعت فيها القصيدة.

وثانياً الموسيقى الداخلية للقصيدة، وعرض مصادرها المختلفة كالتصريع والتدوير والتقسيم والتدويم والتجنيس ورد العجز على الصدر لدى القصيدة، والتدليل على كل ذلك بأمثلة من وحي القصيدة وبيان لإيحاءاتها وحاجة استعمالها وكشف لدلالاتها المتخلفة.

ولفت د. البيل إلى أن البحث قد لاقى مشكلات أهمها عدم اشتمال دواوين الزبيري الشعرية المطبوعة، والموسومة بالأعمال الكاملة، على شعره كاملاً، في حين ما يزال جزء من شعره غير منشور، وهو سياسي بالدرجة الأولى سوى إشارات هنا وهناك تؤكد ولا تكاد تبين، مما ترتب على ذلك جهد مضاعف في البحث والتجميع والدراسة والتحليل، وتمكن الباحث، بعد كثير من الجهد والوقت، من جمع (65) خمسة وستين بيتاً شعرياً للشاعر الزبيري، يعيد الباحث نشرها هنا للمرة الأولى لتنضم إلى تراثه الشعري، مساهمة في الجهود التي بذلت وتبذل للكشف عن أعمال الشاعر التي لم تظهر وإعادة نشرها.

وتكمن المشكلة الأخرى في قلة المصادر التاريخية والسياسية اليمنية التي تناولت تلك الفترة، وضعف منهجيتها، واتخاذها نمطية معينة تكاد تكون أشبه بالسير الذاتية، ولا تعتمد في كثير منها الرصد الواقعي والموضوعي الشامل للأحداث ومجرياتها، فضاعف ذلك من مهمة البحث عن تفسير أو بيان لكثير من الأحداث والوقائع التي ورد ذكرها في قصائد الشاعر، أو أشارت إليها، في مصادر عديدة محلية وعربية وغيرها، وذلك لضرورة التحليل الموضوعي لقصائد الشاعر ما أمكن، والكشف عن تناولاتها على هدىً ويقين.

وخلص د. البيل إلى إن حياة الزبيري الإنسان قد اتسمت بالنضال والكفاح المتواصل فكان شعره أحد مفردات حياته، إن لم يكن أهمها والمعبر بجلاء عن همومها وأفكارها وتطلعاتها، بل وتقلباتها، ولا يمكن الفصل بين حياته وشعره السياسي؛ فهما قرينان يُستدل بكل منهما على الآخر، فكانت مواقفه وأحاديثه السياسية، مضامين شعره والعكس من ذلك أيضاً.

ولأجله بدأ الشاعر حياته النضالية بالدور الطبيعي والمثالي كما هو شأن شعره، بالنصح والمدح واللين، ومن ثم الانتقال إلى المواجهة بالأخطاء بعد اليقين، ونفاد الوسائل، ومهما قيل عن بداياته تلك فإنه نوع من القفز على حقائق الحياة وما يجب أن يُبدأ به، في واقع كان حتى النصح فيه يعد جريمة وتجاوزاً، علاوة على أن هذا الدور من المدح والنصح الشعري قام به شاعر في سنواته الأولى بعد العشرين، مما يدل على إدراكٍ ووعيٍ مبكرٍ، وعدم تهور، وفرط حماس، خصوصاً وقد جاء المدح من سجنٍ، ونجم بعد معاناة وتجربة، فكان المدح والمهادنة رغبة في تجاوز محطة كان يمكن ألا تتجاوز ما لو تم الإصرار والتصلب عند موقف بذاته.

وعلى المستوى الشعري رأى الباحث إلى إن شعر الزبيري كان من الإجادة والإتقان الفني في مراحله الأولى، رغم صغر سن صاحبه، ما يدل على نبوغ وإبداع متنامٍ، انقص الشاعر ذاته شيئاً من ذلك حين أوقف شعره للسياسة، وجعل وظيفته المستمرة النضال والكفاح، لأجل الوضوح والبيان، حين كان خطاباً لشعبٍ يعاني الجهل والأمية بنسبة كبيرة، ولم يكن مندوحاً الإيغال في التنميق والسبك، في حين أنه مليء بالآلام والتأوهات، ويدعو للنفير. وتلك كانت وظيفة شعره التي كان مزهواً بها، ويعتقد بأهميتها ودورها، فلم يكن شعره مجرد غنائيات ثورية؛ بل كان وسيلة الإعلام المثلى للأحرار والباحثين عن الحرية، والمتطلعين إلى النهوض، وسلاح المقارعة الواضح.

على أن الزبيري من خلال شعره لم يكن مجرد داعٍ لقتال أو صراع أو تدمير وحسب؛ بقدر ما كان داعياً لنهوضٍ ووعيٍ وفكر، وما أكثر ما اشتملت عليه قصائده من أفكار ورؤى ومراحل، تدل على المنهجية والمشروع.

 

محمد الحمامصي

 
محمد الحمامصي
 
أرشيف الكاتب
مرام دريد النسر: 'أمير الشعراء' تشكل نقلة نوعية لأي شاعر
2017-02-28
فلاسفة من تونس وألمانيا وفرنسا وأيسلندا يناقشون جماليات العيش المشترك
2017-02-27
شيخنا عمر: 'أمير الشعراء' انتشلت الشعر العربي من وحل النسيان
2017-02-24
ناقد أميركي يؤكد أن الفنون تتطور ولكن ليس من جميع الوجوه
2017-02-23
همدان زايد دماج: أغلب المنتوج الشعري المتداول من القصيدة العمودية كلاسيكياً قديماً
2017-02-21
معرض بولونيا الدولي لكتب الأطفال يختار مروة العقروبي عضوا في جائزته
2017-02-20
نبيل اللو يؤكد أن تحريم الموسيقى والغناء لا علاقة له بالدين
2017-02-19
باحثة مصرية تحلل صورة المرأة العربية في الصحافة الأميركية والبريطانية
2017-02-15
باحث إيراني يرى أن قصيدة النثر العربية في إيران ردة فعل على المنظومة التقليدية الشعرية
2017-02-14
الطلاب العرب يتجهون إلى الجامعات الصينية بأرقام قياسية
2017-02-12
المزيد

 
>>