First Published: 2016-11-20

ديمقراطية الضحك والبكاء

 

العراقيون لا يحبون المفاجآت. بقوا مع صدام لآخر لحظة، وهاهم يبقون مع الدعوة حتى النهاية. نهاية العراق.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: فاروق يوسف

لا يصدق أحد من العراقيين أحدا آخر في حديثه عن الديمقراطية في العراق، غير أنه في الوقت نفسه لا يكذبه.

العراقيون ديمقراطيون فعلا. يقف الضحك والبكاء على قدم المساواة في تاريخهم العاطفي. فهم يضحكون بعد نوبات بكاء هستيرية تصيبهم لأتفه الأسباب وهم يبكون ندما على قهقهاتهم التي غالبا ما تنطلق في أوقات ليست مناسبة.

لقد قبل العراقيون بالاحتلال حلا لمشكلاتهم المعقدة التي كان الجزء الأكبر منها من صنعهم. نكذب على أنفسنا لو قلنا أن صدام حسين لم يكن صناعة عراقية خالصة. الرجل الذي حكم العراق ولم يزعم يوما ما أنه ديمقراطي كان في سلوكه خلاصة فكرة العراقيين عن الحاكم.

طبعا أضاف صدام حسين شيئا من عبقريته على تلك الفكرة، حين وصل بها إلى أقصى الاستبداد، غير أن العنف الذي مارسه الرجل لم يكن موضع استنكار من قبل معظم العراقيين.

نسبة قليلة من الشعب العراقي عارضته، ولم تكن تلك النسبة تمثل أطرافا ديمقراطية. فلا الشيوعيون ديمقراطيون ولا حزب الدعوة ديمقراطي ولا منظمة بدر ديمقراطية وحتى الباججي واحمد الجلبي وأياد علاوي ما كانوا ديمقراطيين. دليلنا في ذلك أن كل تلك الأطراف وقفت مع المحتل الأميركي، وهو ما يسقط عنها قناع الديمقراطية. فليس من الديمقراطية في شيء أن يقف المرء مع احتلال دولة لأراضي دولة أخرى.

ومع ذلك فإن المحتل الأميركي حين بشر بالديمقراطية صار التابعون له من وجهة نظر العراقيين المبشرين بالديمقراطية.

ولو أخذنا كل تابع من أولئك التابعين على حدة وحللنا خطابه لأكتشفنا أنه شخص بلا لون ولا طعم ولا رائحة، بل أن صلاحية استعماله قد انتهت منذ زمن طويل.

ديمقراطيو العراق الجديد يفاخرون بشيعيتهم وسنيتهم وكرديتهم. فهل هناك ديمقراطي واحد في تاريخ الديمقراطيات الحديثة كان طائفيا أو متعصبا لقوميته؟

الديمقراطية العراقية هي من طراز خاص. فهي تظل معلقة إلى الأبد. وقد يجد البعض نوعا من الاجحاف إذا ما قلنا إن الديمقراطية كما يعرفها الغرب الذي اخترعها لن تجد لها موطئ قدم على أرض العراق. ذلك لأن العراقيين أنفسهم يفضلون أن يُحكموا بأسلوب آخر. أسلوب لا يمت إلى الديمقراطية بصلة، وهو ما يمكن تفهمه إذا اخترنا أن نذهب الى الهدف في خط مستقيم.

فإذا لم يكن المجتمع في حاجة إلى الديمقراطية تنتفي الحاجة إلى وجودها.

أهل الحكم وأهل المعارضة المشتبكون بخيوط ما يُسمى في العملية السياسية هم من أتباع الأحزاب والكتل الدينية، وهو ما يعني ايمانهم بالمشروع الديني الذي تدعو إلى قيامه أحزابهم. الامر الذي سيؤدي بالضرورة إلى قيام دولة دينية، في ظل ارتباط معظم أولئك السياسيين بإيران، وهو ما سمح للجارة أن تتمدد في العراق، بل وتضع يدها على الجزء الحيوي منه.

فهل ينسجم السعي لقيام دولة مع الديمقراطية؟

كل هذا غير غائب عن أذهان العراقيين. غير انهم لا يجدون ما يقلقهم في شأن انتقالهم إلى عصر الديمقراطية بعد أن تخلصوا من عصر الاستبداد.

من مفردة من مفردات لديمقراطية وجدت طريقها إلى الحياة في العراق باستثناء صناديق الاقتراع التي يتنافس عليها سياسيو الأحزاب الدينية، المحسومة نتائجها لهم سلفا.

ولأن العراقيين لا يحبون المفاجآت التي قد تسبب لهم ارباكا، فإنهم يصرون على استمرار حزب الدعوة حاكما، بالرغم من فشله الذريع عبر العشر سنوات الماضية عن البدء في بناء دولة كما إنه كان السبب في ضياع جزء كبير من الأراضي العراقية وتفشي الفساد والنهب المنظم لثروات العراق وارتفاع نسبة الفقراء والعاطلين عن العمل والاميين والمرتزقة والمحتالين باسم الدين.

خصوصية الديمقراطية العراقية تكمن في الغاء المسافة التي تفصل الضحك عن البكاء. إنهم يبكون ندما ويضحكون سخرية غير ان الأحزاب الدينية وفي مقدمتها حزب الدعوة ستبقى مطمئنة إلى أن حصتها من الديمقراطية محفوظة.

 

فاروق يوسف

 
فاروق يوسف
 
أرشيف الكاتب
لو لم تكن جماعة الاخوان لما كان داعش
2017-06-26
الحل في مصر أيها القطريون
2017-06-24
المتغير السعودي واستحقاقات العصر
2017-06-22
جنرالات بعمائم في إيران
2017-06-21
الحفلة الإيرانية قادمة
2017-06-20
الحل هو القضاء على الإرهاب لا إعادة تعريفه
2017-06-19
كذبة الممانعة وسياسة التناقضات
2017-06-18
إيران بلد الخرافات
2017-06-17
حين ينتقم العراقيون من أنفسهم
2017-06-15
هل تنتهي الحرب في سوريا بغياب قطر؟
2017-06-14
المزيد

 
>>