First Published: 2016-11-22

التكنولوجيا تفسد طعامنا

 

لقد قطعت مطاعم الوجبات السريعة صلتنا بالطعام المحلي وزادت من الأمراض العضوية، وستقطع تطبيقات الهواتف الذكية لتوفير طلبات جلب الطعام للبيوت، صلتنا تماما بمطابخ المنازل، وتقطع صلة عميقة بين الإنسان وبيته.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: كرم نعمة

نشعر بالامتنان حقا للتكنولوجيا، لكننا لا يمكن أن نخفي قلقنا منها، حياتنا تغيرت، لكن السهولة لا تعني دائما الجودة. نستحصل على ما نريده بلمسة على هاتفنا الذكي: سيارة الأجرة، التسوق… وآخر هذه الخدمات إغراءات الطعام!

التطبيقات على الهواتف مثيرة إلى درجة الانبهار، والذين يقفون خلف برمجتها أذكياء إلى درجة تجعلهم يستهدفون حواس الإنسان المعاصر، نحن نتفق على أن الإنسان تغير، الأدق التكنولوجيا غيرت سلوكه ونمط حياته.

التطبيق الجديد الذي بات يشغل الناس هو الطعام الجاهز المستقدم إلى المنزل بمجرد التسجيل واختيار طبيعة الوجبة على الهاتف الذكي. مثل هذا التطبيق المثير صمم بحيث يفتح الشهية ويدفع إلى التكاسل، وربما مستقبلا تنتفي الحاجة إلى وجود مطبخ في المنزل!

يعرض قائمة من المطاعم القريبة من منزل المستخدم من الهندية إلى اليابانية والمغربية والتركية والمكسيكية، مع صور مغرية للأطباق، وما على المستخدم إلا اختيار ما يشتهيه كي يصل ساخنا إلى منزله بعد وقت قصير.

ألا يعني ذلك أن مثل هذه التكنولوجيا تهدف إلى قطيعة مع الحياة الطبيعية، وقتل التوق إلى حياة مثالية؟ لم تعد المشكلة في الوجبات السريعة المضرة بالصحة، بل في طعام مصنع وجاهز من دون لمسة حسية لا يمكن توفرها إلا في مطابخ المنازل.

المطبخ ليس مساحة مهملة في تركيب المنزل، نلجأ إليه لإشباع جوعنا، إنه أكثر من ذلك بكثير، لأنه موقع رؤوم لجمع الشمل والتحدث بهدوء والتمتع بالطعام ببطء والكلام حول طبيعته وطريقة طهيه، المطبخ فائدة أكبر بكثير من كونه مجرد مكان لتناول الطعام، لأنه مدرسة حسية في تعلم الدقة والكياسة والسلوك الحميد في المحافظة على النظافة.

تلك المدرسة ستتلاشى بمجرد الوثوق بالتطبيقات الذكية التي تحثنا على استجلاب طعامنا من الخارج، وتنهي العلاقة التاريخية بين الإنسان وتحضير طعامه.

مهما تمتع الإنسان بالطعام المجهز خارج المنزل، فهو لا يرقى إلى طبيعة طعام وضع فيه المرء لمساته، لا أعني النكهة هنا بقدر ما أشير للعلاقة التي تجمع مشاعر الإنسان بما يصنعه من طعام، تلك العلاقة من طبيعة الحياة البشرية السوية، وبمجرد اضمحلالها سنزيد من مستوى التغرّب عن ذواتنا.

سبق وأن انبثقت في بداية الثمانينات من القرن الماضي في أوروبا حركة لمناهضة الوجبات السريعة، أطلقت على نفسها “الطعام البطيء”.

احتج آنذاك نشطاء الحركة العالمية على ماكدونالدز في أوروبا، مدافعين عن الطعام المحلي المنتج بشكل أخلاقي، والذي يطبخ ويقدّم ويتم الاستمتاع به بما يكفي من الوقت لتذوّق مكوّناته.

إلا أن المال ومراكز الاقتصاد السياسي انتصرا في النهاية للطعام السريع وأفرغا حركة “الطعام البطيء” من نشاطها الذي خفت مع مرور الوقت ولم تجد من يدعمها لأنها مجرد توجه أخلاقي لا يجلب الأموال.

لقد قطعت مطاعم الوجبات السريعة صلتنا بالطعام المحلي وزادت من الأمراض العضوية، وستقطع تطبيقات الهواتف الذكية لتوفير طلبات جلب الطعام للبيوت، صلتنا تماما بمطابخ المنازل، وتقطع صلة عميقة بين الإنسان وبيته بوصفه المكان الذي “يجب” أن يقبلنا عندما نذهب إليه وفق تعريف منظر جماليات المكان غاستون باشلار.

 

كرم نعمة

karam@alarab.co.uk

 
كرم نعمة
 
أرشيف الكاتب
غناء نجدي وبوح حجازي
2017-03-21
الأخبار صناعة لا يديرها الصحافيون!
2017-03-19
منصة رديئة للأخبار
2017-03-12
لم يعد... عراقيا!
2017-03-07
مكر شيطاني في معركة السلطة مع الصحافة
2017-03-05
وظيفة جديدة للقلب المسكين
2017-02-28
طراز قديم من الصحافة
2017-02-26
إعادة اختراع الحب
2017-02-21
رجال الدين مصدر للأخبار الكاذبة
2017-02-19
القلب صديق المشائين
2017-02-14
المزيد

 
>>