First Published: 2016-11-23

دونالد ترامب، أو غضب الرجل الأبيض

 

عودة غربية للنازية. هذه المرة تحت راية الولايات المتحدة المتذمرة وليست راية المانيا الطموحة.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: أسعد البصري

الصدمة بفوز دونالد ترامب بالرئاسة دفعت الصحافة البريطانية الى العرافات. النبوءة الغربية القديمة التي تخبر بأن وصول رئيس أميركي أسود البشرة، سيكون الأخير في البيت الأبيض. أشارت صحيفة ديلي إكسبرس إلى أن تلك هي نبوءة البلغارية العمياء بابا فانغا التي قالت بنهاية ترامب قبل وصوله للبيت الأبيض. وقد حذرت روسيا مؤخراً الرئيس ترامب من محاولة لاغتياله.

العجوز العمياء بابا فانغا فقدت بصرها نتيجة تعرضها لعاصفة قوية من الرياح. كانت شخصا موثوقا به في العرافة من قبل أغنياء ومشاهير الولايات المتحدة علاوة على الرؤساء والزعماء الذين كانوا يلجأون اليها. تنبأت عام 1989 بأحداث الحادي عشر من سبتمبر في نبوءة مكتوبة تقول "هلع، هلع. البنيان الأميركي سينهار بعد أن تصدمه طيور حديدية. الذئاب ستعوي في الأحراش، ودماء الأبرياء ستسيل".

تحول بيتها الى متحف افتتح عام 2008 وبكل المال الذي جمعته من العرافة بنت فيه كنيسة. تقول إن مخلوقات غامضة تعطيها معلومات عن الناس، وعليها أن لا تخبرهم بها، وحياة كل انسان تظهر أمامها كفيلم سينمائي ولكن تغيير المكتوب فوق قدرتها.

الشيء المضحك أن كلا من بريجنيف ويلتسين قد سعى الى الاتصال بالعرافة العمياء. لا شك بأن صدمة صعود ترامب رغم كل تصريحاته يعتبر صدمة ألجأت الصحافة الأوروبية الرصينة الى كتابات مضحكة كهذه.

دونالد ترامب مخيف، إنه يشبه فلاديمير بوتين وخامنئي، القادة المتحجرين الذين لا يغيرون مواقفهم. منذ عام 1980 وهو يقول الأفكار ذاتها وكأنه مسكون برؤية جنونية واحدة لا تتغير. يقول بأن أميركا تتعرض للاستغلال وإنه ليس قريبا من الأغنياء رغم أنه ملياردير، بل هو قريب من روح المكافح والعامل الأميركي، إنه يستمتع بالحوار مع سائقي التاكسي في نيويورك أكثر من رجال أعمالها.

يقول ترامب لقد صنعت أميركا شعوبا تعيش كالملوك، بينما الأميركي يعيش حياة بائسة. وإنه ليس ضد جيش أميركي عظيم، بل هو أكثر من الصقور لهفة الى القوة، ولكنه لا يفهم لماذا على أميركا احتلال العراق وتقديمه لايران؟ لماذا غزو العراق وصدام حسين لا علاقة له بالارهاب لا من قريب ولا من بعيد؟ ما الداعي الى تعريض حياة الأميركان للخطر في المكان الخطأ؟ وان أميركا أنفقت 2 تريليون دولار في العراق، ولم تحصل على شيء مقابل ذلك سوى انتشار الارهاب في العالم.

يقول الرئيس القادم بأن الجميع يفكر بأننا نخطط ونتحكم بالعالم بينما الحقيقة التي يعرفها فلاديمير بوتين أكثر من غيره هي أننا لا نعرف ماذا نفعل. الجميع يلوم أميركا على مشاكل العالم الى درجة تحولت فيها بلادنا الى مكب لنفايات العالم ومشاكله.

لماذا نغرق أميركا بالسيارات اليابانية بينما اليابان لا تدفع كلفة القواعد العسكرية التي تقوم بحمايتها من كوريا الشمالية، وليس هذا فقط بل اليابان لا تشتري سيارة أميركية واحدة. لا توجد شيفروليت واحدة في طوكيو.

يقول إن الصين ضربت اقتصادنا في الصميم ونحن نغرق بالديون مقابل استهلاك البضائع الصينية، والنتيجة هي أننا نضعف مع الزمن بينما يقوى أعداؤنا. لماذا نصنع السيارات في المكسيك، والآي فون في الصين بينما الأميركي بلا عمل.

ويقول ما فائدة دعمنا للحكومة العراقية وأسلحتنا التي نقدمها تذهب في النهاية الى داعش، هناك 2300 عربة همفي ذهبت الى داعش في ساعة واحدة. ربما أميركا كلها لا تملك هذا العدد من العربات المتطورة التي لم يعد بمقدورنا صناعتها بتلك الكفاءة.

نحمي دولا نفطية بلا مقابل يغطي التكلفة، والنتيجة يرفعون علينا سعر البرميل، حتى صرنا نشتريه بمئة دولار في فترة من الزمن. نبني مدارس لأفغانستان بينما مدارسنا قديمة ومهملة وفوق ذلك يفجرونها، وينسفون الطرق التي نعبدها لهم. الرئيس خارازاي شخص لا يتكلم باحترام معنا، وكأننا مسؤولون عن مشاكل شعبه. الأفغان لا يريدوننا ونحن أيضا لا نريدهم، ويجب أن نهتم ببلادنا أكثر.

يقول ترامب علينا الاستيلاء على النفط العراقي لتغطية تكاليف تلك الحرب الفاشلة، ثم عاد مؤخراً عن رأيه وقال جورج بوش يتحمل المسؤولية عن ذلك الخطأ وليس العراق. ويقول لماذا مطارات قطر أفضل من مطارات أميركا، إنهم يعيشون أفضل من الأميركي.

المكسيك دولة تضحك علينا وليست دولة صديقة، ملايين المكسيكيين يعيشون في بلادنا وهم مجرمون أطلقتهم السجون للتخلص منهم على الحدود، يجب أن نطرد المهاجرين غير الشرعيين ونبني جدارا بيننا وبين المكسيك ونرغم المكسيك على دفع نفقاته. هذا يذكرنا أكثر من أي وقت مضى بالمثل المكسيكي الشهير "مسكينة أيتها المكسيك، قريبة من الولايات المتحدة، بعيدة من الله".

كرر ترامب في حملته الانتخابية ما قاله منذ زمن بعيد بأن العراق احتل الكويت وهاجر الشباب الكويتي للعيش في فنادق لندن، بينما الجندي الأميركي قد جازف بحياته لتحريرها، ثم تمت إعادتها لهم بدون ثمن. يقول لقد سمحنا لهم ببيع النفط والعيش كالملوك، وكان يجب أن نوقعهم على ربع النفط الكويتي ثمنا لذلك التحرير. ثم عاد في حملته الانتخابية وقال كان يجب أن نوقعهم على نصف النفط الكويتي لنصف قرن وكانوا سيوافقون على ذلك، لكن أميركا لم تفعل.

عام 2005 مجلة التايمز اختارت المخرج والكاتب والوثائقي مايكل مور كأحد أكثر الأشخاص المئة تأثيرا في العالم. لم أصدق ذلك حينها وحين كتب مقاله الشهير "خمسة أسباب لفوز ترامب بالرئاسة" قبل شهور من الانتخابات النهائية بكل ثقة، عرفت بأنه كاتب خطير.

يقول مايكل مور بأن الناس لا تريد أن تصدق بأن ترامب سيفوز وهم يشبهون بذلك أولئك الفرنسيين الذين يلوحون لسائق الشاحنة بأنه صعد على الرصيف في يوم الباستيل. لا أحد يريد أن يصدق بأن هذا الرجل قد صعد الرصيف متعمدا لقتل الناس، ولم يفقد السيطرة على الشاحنة. تماما كما حدث عام 2001 حين ضربت طائرة برج التجارة العالمي في نيويورك، الكل اعتقد بأنه مجرد حادث، حتى جاءت الطائرة الثانية وضربت البرج المجاور، الطائرة الثانية مثلت الحقيقة التي لا تُصدق وحولت ما هو غير معقول الى معقول.

لو كان يمكن للناس التصويت للرئاسة من بيوتهم لكان فوز هيلاري كلينتون مؤكدا ولكن الأمر يتعلق بالحماسة والوقوف في الطوابير والاستيقاظ باكرا. إن كل شيء في الأحياء الفقيرة التي يسكن فيها السود والمكسيكيون كان معدا بطريقة تجعل من المستحيل لهم المشاركة في التصويت. إن البيض هم الذين أفاقوا باكرا للتصويت لترامب، ليس حبا به وبما يقول بل تعبيرا عن غضب المواطن الأبيض على سياسة بلاده التي جعلت مستوى البطالة يرتفع الى 20% بين البيض.

ثم لماذا يصوت الرجل الأبيض لامرأة؟ ألا يكفي انتخاب رئيس أسود أفقدهم عملهم وسيطرتهم على بلادهم؟ وهل سيكون الرئيس القادم متحولا جنسيا؟ وهل يكون الذي يليه من عالم الحيوان حيث سيعتبر القانون رفع الفروقات العنصرية بين الإنسان والحيوان بحيث يكون على الأميركي انتخاب سحلية لرئاسة الولايات المتحدة. هذه كلمات مايكل مور العبقرية التي وصفت غضب الأميركي الأبيض الوحشي الذي مثله خير تمثيل دونالد ترامب.

حين تظهر أم أميركية بيضاء تتوسل بالخليفة البغدادي في رسالة بثتها كل وسائل الاعلام العالمية لكي لا يقتل ولدها الصحفي ستيفن سوتلوف، ويكون الجواب إصدارا مصورا بذبحه بالسكين أمام العالم أجمع. هذا المشهد وحده كفيل بتحويل الرجل الأبيض الى وحش. ويدفع الثمن الأسود الأميركي، والمكسيكي والفقير والمهاجر. هل سمعتم بحرب بين الشرطة والسود في أميركا قبل داعش؟ هذا اذا لا نتحدث عن حوادث الارهاب الأخرى وإعدام الأميركي الآخر جون فولي. ولا توجد إهانة أكبر من إجبار الصحفي البريطاني جون كانتلي بتصوير اصدارات لمصلحة داعش وبثها.

حين يقوم ارهابي بقتل عشرين شخصا بالرصاص في ملهى ليلي للمثليين في فلوريدا، هذا جعل الأبيض الأميركي في صدمة وشعور متناقض. الدواعش صدموا البيض في وجدانهم، لهذا انتخبوا ترامب للتعبير عن غضبهم من كل ما يجري، حتى غضبهم من أنفسهم.

كتب دونالد ترامب في انستغرام تحت صورته وهو طفل عمره ثلاث سنوات "مَن كان يتخيل أن هذا الطفل البريء سيكبر ويصبح وحشا" وكان وزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير أدرج ترامب في سياق "دعاة الكراهية" الذين يتلاعبون بمخاوف الناس.

يقول نعوم تشوميسكي إن ما يحدث لأميركا هو مشابه تماما لما حدث لألمانيا ثلاثينات القرن الماضي، فكل من الحزب الديمقراطي والجمهوري انتقل الى اليمين، لأنهما في الحقيقة حزب واحد ويمثلان الأغنياء ومصالحهم فقط، وتم نسيان الهوية والمشاكل الإقتصادية، اي الطبقة العريضة من السكان البيض الذين يعتقدون بأن هناك غرباء يسرقون منهم بلادهم. إن عظمة أميركا المزعومة لم تنعكس على حياة العائلة الأميركية.

وهنا استطاع ترامب أن يخلط الشعور القومي بالغضب الطبقي، أي أننا نشهد بداية لظهور نازية أميركية، فلم تكن النازية الألمانية سوى القومية الاشتراكية الألمانية الغاضبة ذات الشعور بالإهانة والخوف من الغرباء. يقول تشوميسكي المشكلة أن أميركا قوية جدا، أقوى بكثير من المانيا النازية، ومن الصعب ايقافها.

في مدينة ڤانكوڤر الكندية مثلا تجد أثرياء الصين والهند والقادمين من هونغ كونغ يتحكمون باقتصاد المدينة والأسعار بثرواتهم الضخمة الهائلة التي رفعت أسعار العقارات، بينما الأبيض الكندي ابن البلد يعيش حياة صعبة، وهو أول ضحايا الحداثة. الصيني لا يتمتع بالثروات فقط بل بعائلته الكبيرة المتماسكة، بينما عدد كبير من البيض يعيشون وحيدين بسبب الوضع الاقتصادي ولا يجد أحدهم ما يخفف ألم الحرية والوحدة سوى المخدرات.

جاري الأبيض يقول جدي وجدتي نزلا على شاطئ نيوفاونلاند من بريطانيا الى هنا بالباخرة قبل 80 سنة، ويطلقان على بريطانيا الوطن القديم. حملهم القطار من الشاطئ الى مقاطعة ساسكاتشوان، وبكل ما لديهم من مدخرات اشتريا عربة وحصانا. في النهار يعملان لدى إقطاعي اسكوتلندي، وفي الليل يقلبان العربة وتنام العائلة تحتها لشهور من العمل حتى تمكنوا من بناء صريفة بالطين والقش، ومع السنوات صار عندهم حقل وأبقار وكلاب ودجاج لم تكن هناك تدفئة ولا هاتف ولا خدمات صحية. يقول لي نحن بنينا هذه البلاد، وأنه غير سعيد برؤية الأثرياء الأجانب يسلبونه بلاده، ويرفعون الأسعار ويتحكمون بالبلاد، دون أن يساهموا في بنائها.

ثورة ترامب ليست سياسية فقط بل حضارية، فهو يروي عن طبيب صديق له ترك المهنة لأنه يحتاج الى محاسبين أكثر من حاجته الى ممرضات، بسبب تعقيد قانون التأمين الصحي. وهذا طبعا سيقود الى ثورة ضد التعقيد في قوانين العائلة التي تنتهي بالأسرة الى أطنان من الملفات والمحاكم غالبا مما يستنزف مدخرات العائلة الى جيوب المحامين. لهذا السبب حتى بعض النساء صوتن لترامب رغم تصريحاته الرهيبة التي وصفت المرأة بالوحش الذي ينزف من عينيه، وينزف من مكان آخر.

لقد ألهب ترامب حماسة الناخبين حين أعلن بأنه لن يتقاضى دولارا واحدا كراتب للرئاسة. راتب الرئيس 400 الف دولار سنويا. بينما هيلاري قبضت من الخليج عشرات الملايين من الدولارات، ومن البنوك 55 مليون دولار. إن ترامب يضع العالم كله في عهد جديد.

ربما الولايات المتحدة تخطط حقا للعودة بسياستها الى ما قبل 60 عاما. أي أنها تخطط لترك الدول الآسيوية تحت رحمة الصين، وترك أوروبا تحت رحمة روسيا ومشكلة المهاجرين، وأنها لم تعد تستفيد من التجارة الحرة، اي التجارة في محيط الأطلسي، ولا تريد المزيد من هجرة المصانع وفرص العمل، كما لا تريد المزيد من الأجانب.

التقدم التكنولوجي متسارع بطريقة غير مسبوقة في التاريخ، ولن يطول الزمن حتى تكتفي الولايات المتحدة من الطاقة البديلة. المصانع الآلية مثلا في تطور الى درجة يمكن فيها الاستغناء عن العامل في المستقبل، مما سيجعل الانعزال والصناعة المحلية قدرا. لهذا فان التطور العلمي الذي أدى الى الانفتاح، قد يؤدي نفسه الى الانعزال.

في الأزمة الاقتصادية عام 2008 خسرت الولايات المتحدة 8 ملايين فرصة عمل، ووفرت فرص عمل في دول اخرى كالصين والهند. إن العولمة ربما تنهار، فإذا تتخلى عنها الولايات المتحدة لا يعود أمام أوروبا سوى الدخول في تحالف عسكري ضد روسيا، وهذا معناه أن على أوروبا دفع نفقات الناتو كاملة، وليس على الولايات المتحدة دفع دولار واحد لا للناتو ولا للقواعد العسكرية عبر المحيطات.

وربما تبدأ أوروبا باغلاق الحدود. ليس مصادفة أن أول مَن قام بزيارة ترامب بعد فوزه هو زعيم حزب الاستقلال البريطاني نايجيل فاراج زعيم الحملة لانفصال بريطانيا عن أوروبا البريكست. وموضوع النقاش بين الرجلين هو كيف تجرأ الرئيس باراك أوباما على إخراج تمثال الانگليزي الأبيض تشرشل من قاعة الاجتماعات في البيت الأبيض ووضع مكانه صورة الأسود مارتن لوثر كنغ؟

نحن امام أميركا جديدة، حيث الانعزال وتمجيد الهوية القومية والاعراق، وليذهب 11 مليون مكسيكي مهاجر في اميركا و40 مليون اسود اميركي الى حيث يشاؤون. الرجل الأبيض غاضب.

فرانسيس فوكوياما الذي قال إن سقوط جدار برلين يعتبر بداية الاعلان عن العولمة، يبدو اليوم متشائما، وكأن الاعلان عن بناء جدار مع المكسيك سيكون نهاية لتلك العولمة. كتب مؤخرا يقول "سوف تؤذن رئاسة ترامب بنهاية العهد الذي كانت فيه أميركا رمزا للديمقراطية".

اذا تم تسليم الشرق الأوسط لروسيا سنشهد عالما جديدا، وعلى العرب الانتباه الى التبدلات، ولا يدفعوا بسنة سوريا والعراق الى الاستهلاك والهلاك. ليس من مصلحتنا استعداء روسيا، ومن يدري ربما علينا تعلم الروسية في المستقبل.

 

أسعد البصري

 
أسعد البصري
 
أرشيف الكاتب
جهاد النكاح في العراق
2017-06-13
طهران تعيش هاجس التغيير الداخلي
2017-05-20
زيارة الكاظم تجمع الشيعة وتفرق العراقيين
2017-04-21
الخطر الأول الذي يهدد العرب
2017-04-13
المطرب حسين نعمة واجتثاث البعث
2017-04-01
بعد خطبة النهاية الداعشية، على سنة العراق تقديم قيادات مقبولة
2017-03-23
الطائفية الثقافية في العراق
2017-03-03
ماذا عن سنة العراق لو تمت المصالحة بين السعودية وايران؟
2017-02-06
الخميني وشعار الموت لإسرائيل
2017-02-02
هل ظلمنا الرئيس عبدالفتاح السيسي؟
2017-01-03
المزيد

 
>>