First Published: 2016-11-25

كيف أعاد الغرب روسيا إلى مصاف الجبابرة؟

 

لم يعد فلاديمير بوتين مخلوقاً معزولاً يتجاهله العالم الغربي، بل بات 'مالئ الدنيا وشاغل الناس'.

 

ميدل ايست أونلاين

بقلم: محمد قواص

أعاد الغرب دون حرج إحياء روسيا من جديد بعد أن خيّل للعالم أن سباتها بات أبدياً بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. بالغ الأطلسيون في إهانة موسكو وباتوا يتباهون بالتجوال في الانحاء المطلّة على روسيا يتدخلون في شأن جورجيا واوكرانيا بعد أن انتزعوا من "أملاك" المعسكر الشرقي السابق دولاً ضمّوها إلى "أوروبا" والـ "ناتو"، وبعد أن نشروا درعهم الصاروخي مهددين ذلك الدبّ الهامد ومحاصرين لنزقه المحتمل.

لم يكن يخطر ببال سيّد الكرملين الذي ذاق مرارة الإهانات الغربية أن يطل على العالم من بوابة سوريا. لم تكن موسكو تعتبر هذا البلد من ضمن عدّتها الاستراتيجية ولم تكن العلاقة التي جمعت دمشق بالاتحاد السوفياتي ترقى إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية، حتى أن في كواليس الكرملين آنذاك من كان يعتبر أن تودد حافظ الأسد للقيادة السوفياتية هدفه خطب ود واشنطن وإدارتها. لم تخطئ تلك الآراء ذلك أن رجل سوريا آنذاك حظي بضوء أخضر أميركي لدفع قواته إلى لبنان في سبعينيات القرن الماضي، ثم هروّل للالتحاق بالتحالف الغربي بقيادة واشنطن لتحرير للكويت ما منحه رعاية أميركية أخرى باركت سطوته على لبنان في تسعينيات ذلك القرن.

تجمع الولايات المتحدة وإسرائيل علاقات استراتيجية حقيقية تفسّر ذلك الجسر الجوي المباشر الذي انتصب دعماً للقوات العسكرية الإسرائيلية في حرب اكتوبر 1973. ولا يجمع موسكو ودمشق أية علاقة من هذا النوع ما يفسّر غياب جسر مباشر مضاد لدعم القوات السورية في تلك الحرب، وبالتالي فإن لا شيء في التجربة والذاكرة الروسيتين يدفع فلاديمير بوتين للدفاع عن نظام دمشق لأسباب عقائدية أو لها علاقة بقواعد التحالف وأصول الدفاع عن أمن مشترك.

لم تملك روسيا في سوريا إلا تسهيلات بدائية لا ترقى إلى مستوى القواعد التي تنشرها الولايات المتحدة في العالم، وحتى الكلام عن قواعد اللاذقية وطرطوس، فلم يكن لها أن تؤهل الأسطول الروسي إلا المرور لا الاستقرار، ذلك أن موسكو لطالما اعتبرت الشرق الأوسط منطقة ساقطة بيد الولايات المتحدة، حتى في عزّ رواج "الأنظمة التقدمية" العروبية واليسارية، وأن لا طائل بالنسبة لها للاستثمار الكبير داخل بيئة لا تعتبر ودودة.

بدا أن إدارة الرئيس باراك أوباما قدمت سوريا للرئيس الروسي على طبق من فضة. ليس في الأمر أي مؤامرة أميركية هدفها توريط روسيا في الوحول السورية على غرار ما حصل للاتحاد السوفياتي في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي، على ما تذهب مخيّلة البعض. فجلّ ما ترومه واشنطن هو عدم التورط المباشر في هذا البلد، ذلك أن لا "مصالح لنا في سوريا"، على حد تعبير نائب الرئيس جو بايدن، ولا خطر مباشرا على البلاد مصدره سوريا، على حد الرئيس أوباما نفسه. ناهيك عن أن سوريا ليست مصدّرا للنفط على النحو الذي يثير شهية العواصم كما حصل في العراق وليبيا مثلاً، ولا تملك مخزونا من اليورانيوم أو تطل عليه كما حصل في مالي مثلاً آخر. كل ما يهمّ واشنطن في سوريا ينحصر بأمن إسرائيل، وهي لم تتحرك بجدّية مهدِّدة إلا حين استخدم النظام السوري الأسلحة الكيماوية التي اعتبرت، بغضّ النظر عن مآسيها المحلية، مساً بأمن إسرائيل.

قدمت واشنطن سوريا للحاكم الروسي بعد أن أحسن إخراج الصفقة التي أخرجت الترسانة الكيماوية السورية من سوريا. تولّدت قناعة في واشنطن أن أهل موسكو يحسنون مقاربة "الحالة" السورية بأدوات وأساليب لا تقوى العواصم الغربية على إنتاجها. كان في ذهن واشنطن أن "غروزني ستايل" قد يكون ترياقاً يريح الغربيين من تلك الجلبة السورية التي تؤرقهم والتي يريدون أن يكونوا عنها غافلين. لم ينجح فلاديمير بوتين في "إغلاق" الملف السوري، إلا أنه نجح بمهارة في "فتح" ملف روسيا.

رعت موسكو بلؤم عملية نقل المأساة السورية إلى الحضن الغربي. باتت مجازر المدن السورية التي فاقم من حدّتها التدخل العسكري الروسي المباشر منذ أكثر من عام، تفرّخ أزمة لاجئين غير مسبوقة في أوروبا على نحو يهدد الاستقرار السياسي والاجتماعي لدول الاتحاد الأوروبي، كما يهدد وحدة ووجود الإتحاد نفسه. بات الترياق الروسي الذي بشّر به الغربيون ضمناً، ينتج علّة داخل دولهم، وباتت روسيا، من خلال أدائها السوري، رقماً صعباً في خريطة العلاقات الدولية تطالب من خلال الورشة السورية بحلّ كافة نزاعاتها مع العالم الغربي، بما في ذلك الاعتراف بها زعيمة وشريكة، وبما في ذلك وضع "العلاقة الودودة" مع موسكو بندا رئيسيا في البرامج الانتخابية للطامحين إلى زعامة بلادهم في العالم الغربي.

هكذا بثّ مزاج دونالد ترامب في الولايات المتحدة رياح الودّ مع فلاديمير بوتين. أصبح رأس السلطة في الولايات المتحدة مبشّراً بما يشبه التحالف مع قيصر روسيا الراهن. تحدّثت مارين لوبن ونيقولا ساركوزي اليمينيين عن ذلك في فرنسا قبل أن يقلب طموحاتهما فرانسوا فيون ويذهب أكثر من ذلك إلى درجة أن موسكو تتحدث عنه بصفته "صديق روسيا" في باريس، فيما يأخذ عليه منافسة في الانتخابات آلان جوبيه مجاملته "المفرطة" لبوتين.

لم يعد فلاديمير بوتين مخلوقاً معزولاً يتجاهله العالم الغربي منذ أزمة أوكرانيا، بل بات "مالئ الدنيا وشاغل الناس" تحجّ إليه العواصم مرجعاً في شؤون السياسة والأمن والطاقة. لا تجد فيه تركيا إلا حليفاً يَعِدُ بسوْق الغاز الروسي عبر "السيل التركي"، ولا تجد فيه عواصم الخليج إلا بديلا كامناً يعوّضها عن "عقيدة" الرئيس الأميركي المنصرف وعن "عبثية" ذلك المترجل القادم، ووجهة أصيلة للسيطرة على سوق النفط.

يعيد فلاديمير بوتين بلاده إلى الشرق الأوسط على نحو لم يعرفه الاتحاد السوفياتي نفسه. ينفذ أجندته الخاصة في سوريا متحالفا مع الحليف الإيراني القديم، لكنه لا يحظى بمعارضة علنية من تركيا أو الدول الخليجية التي لديها موقف وأجندة في سوريا يفترض أنهما متعارضين مع الخيارات الروسية في هذا البلد. يحمل مواهبه السورية ويطلّ بها على شؤون العراق وليبيا واليمن، ويباشر في نسج تحالفات لا تبتعد مصر والجزائر وربما إسرائيل عنها. كل ذلك يتمّ في ظل مناخ يوحي، حتى إشعار آخر، أن الولايات المتحدة وحلفاءها باتوا مستسلمين للحقيقة الروسية في الشرق الأوسط، وباتوا يقرون أن سوريا، على الأقل، هي شأن روسي يجوز فيها ما يجوز في نظرة موسكو لدول لصيقة كجورجيا واوكرانيا.

يخطئ من يعتبر أن روسيا تتورط في سوريا كما تورّط الاتحاد السوفياتي في أفغانستان. فموسكو لا تزجّ، حتى الآن، بقوات برية في عمليات قتال ميداني، وهي تعتمد في ذلك على قوات الجيش السوري التابع للنظام وعلى كافة الميليشيات الرديفة التابعة لإيران والتي يتصدّر حزب الله واجهتها وشهرتها، وبالتالي فإن الاستثمار الروسي غير مكلف بشريا، لا بل إن ما تجرّبه موسكو من أسلحة داخل الميادين السورية يروّج بخبث للصناعة العسكرية الروسية التي باتت مزدهرة وينتظرها مسقبل واعد. وأنه طالما أن روسيا لم تذق مرارة تدخلها في سوريا، وطالما أن لا قدرة محلية ولا إرادة إقليمية ودولية على إيذاء روسيا في سوريا، فإن ما يبذره بوتين في الحقول السورية لا ينتج إلا ثماراً يستعد قيصر موسكو لحصدها حقلا بعد آخر.

 

محمد قواص

صحافي وكاتب سياسي

الاسم بلدوزر
الدولة الي ابوعادل

اقرأ ثم غربل

2016-11-27

الاسم ابو عادل
الدولة ايرلنده

لاأدري من هذه المقالة :

هل يجب أن نبكي على أمريكا وفرنسا وبريطانيا وفق رأي الكاتب مثلاً ؟؟؟؟

2016-11-25

 
محمد قواص
 
أرشيف الكاتب
لبنان: سقوط التماهي بين الدولة والدويلة
2017-11-19
عون لحزب الله: حرب قادمة 'ستدمرنا'!
2017-11-17
لماذا 'هدوء' نصرالله؟
2017-11-10
السعودية: الجراحات الصادمة!
2017-11-06
السعودية: الخروج من 'الاستثناء'!
2017-11-03
عن تفجير مقر المارينز في لبنان وظهور السبهان في الرقة
2017-10-27
خطايا مسعود وكارليس التي قد لا تغتفر
2017-10-20
ترامب وإيران: إطلالة واشنطن الجديدة على العالم
2017-10-16
لماذا ترتعد طهران من المسّ بالحرس الثوري؟
2017-10-13
أي رياح تنفخها الرياض صوب بيروت؟
2017-10-09
المزيد

 
>>